مقالات

اكثر من ثلثي المياه العذبه في العالم موجوده في المناطق

ولو كنتُ المسؤول الأول للمياه في البلاد لوزعتُ عدد نيسان (أبريل) الخاص لِـ «الناشيونال جيوغرافِك» على كل من له علاقة مباشرة وغير مباشرة بالتعامل مع الماء في القطاع، ثم طلبتُ تقاريرَ مختصرة عن موادها، وعما يقترحونه من تطبيقاتٍ لإسعافِ حالتنا المائية. إن متابعة هذه التطورات، والتغطيات من مجلةٍ علميةٍ رصينةٍ تأتي بمعلوماتٍ في غاية الفائدة، لا تأتي بها المؤتمراتُ والندواتُ وآخر مراجع البحث الأكاديمية.. مجلةٌ تخصّصها: الاعتناء بواقع الحياة.. أليس هذا هو الهمُّ البشريُ الأول؟! يقول سبحانه وتعالى: «وجعلنا من الماء كل شيء حي»، صدق الله العظيم. هذه الآية الكريمة هي أكثف وأعظم ما قيل في العلاقة بين الماء والحياة. ولأن الماء هو نعمة من خالق الكون، فإن من واجب الإنسان أن يبحث عن طرق للتعامل بحكمة مع مصدر الحياة الأول. والحقيقة الماثلة أمامنا أنه وبالرغم من أن ثلثي الكرة الأرضية مغطى تماما بالمياه إلا أن مشكلة المياه آخذة في الظهور بشكل لا يمكن الاستمرار في تغاضيها, لأنها تمس الحياة البشرية, وليس شخصا معينا أو قطرا معينا. فمشكلة المياه في طريقها لتكون مشكلة تهدد الأمن العالمي إن لم يحسن التصدي لها. فالدراسات المختلفة تشير إلى أن زيادة عدد البشر هو القاعدة وأن استهلاك المياه في ارتفاع مستمر، ومن ثم لا بد من تذكر القاعدة الذهبية التي وضعها المفكر الاقتصادي الإنجليزي توماس مالتوس بشأن العلاقة بين التكاثر والإنتاج، إذ افترض أن سكان المعمورة يتزايدون حسب متوالية هندسية في حين يكون التزايد في الإنتاج, وفق متوالية حسابية. ويخلص مالتوس إلى أن العالم سيواجه أزمات خطيرة لاختلال في معادلة التكاثر والإنتاج. النظرية، وبالرغم من النقد الذي طالها، ما زالت تصلح لفهم ضرورة الموازنة بين التكاثر والإنتاج، وهذا أيضا ينطبق بطريقة أو بأخرى على الماء. «المياه في عالمنا العاطش» هو العنوان الرئيس على غلاف مجلة ناشيونال جيوغرافيك لشهر نيسان (أبريل) من العام الجاري، والمجلة متخصصة في زيادة ونشر المعرفية الجغرافية. وفي العدد الأخير لها، خصصت المجلة كامل صفحات المجلة 180 صفحة لموضوع المياه على كوكب الكرة الأرضية مركزة على ما يسميه المحرر بالدراما التي تقف خلف الأرقام، وهو ما يعد بمنزلة التزام من المجلة ومن جمعية الناشيونال جيوغرافيك لبحث عالم المياه بشكل مستمر. الموضوع الأهم هو أن نقص المياه مسألة لا تخص أمة بعينها دون سواها, وإنما هو أزمة عالمية. صحيح أن كثيرا من المقالات والتحليلات في الصحف ووسائل الإعلام تركز على التغيير في المناخ العالمي، غير أن هناك عديدا من دول العالم لم يعد لها مصادر للتزود بالمياه العذبة, ما يهدد صحة الإنسان, وما قد يخلق احتكاكات وصراعات, وربما حروب بين الدول. فكثير من الاستراتيجيين يؤكد أنه, وكما كان النفط سببا للحروب في القرن الـ 20, فإن المياه ستكون سببا للحروب في القرن الـ 21. وبالفعل أصبحت المياه سببا للصراع بين الدول وبخاصة الدول التي تشترك في أنهر. فالدولة التي تسيطر على أعالي الأنهر تستطيع أن تتحكم بكمية المياه التي تضخ في النهر وبالتالي التي تصل إلى الدولة الأخرى التي تشترك معها في مجرى النهر. ففي إفريقيا وحدها هناك 50 نهرا، كل واحد منها يمر في أكثر من دولة، وهو ما قد يكون مصدرا لنزاع مستقبلي. من هنا يجب التذكير بحقيقة أنه وبالرغم من أن المناخ أصبح المشكلة البيئية الأولى على مستوى العالم, إلا أن مشكلة النقص في المياه هو في أهمية مماثلة, لأنه أصبح يشكل تهديدا مباشرا وآنيا. ففي العقد الماضي كان هناك اعتقاد واسع بأن ما يقارب من ثلث سكان العالم سيواجهون مشكلة نقص حاد في المياه العذبة بحلول عام 2005. وهذا ما تحقق بالفعل، فهناك ما يقارب من مليارين من سكان الأرض يعيشون في دول تعيش تحت ضغط متعلق بالمياه، وبحلول عام 2025, فإن ثلثي سكان العالم يمكن أن يعانوا من الضغط المتشكل نتيجة نقص المياه إلا إذا تم تغيير الاتجاه الحالي. النقطة التي بحاجة إلى انتباه شديد هي حقيقة أن سكان العالم تزايدوا في القرن العشرين بمعدل ثلاث مرات، كما أن معدل استهلاك المياه في الفترة ذاتها تضاعفت سبع مرات، وبعد أن يضاف ثلاثة مليارات نسمة بحلول عام 2050، فإن البشر سيحتاجون إلى زيادة 80 في المائة في المياه لتكفي لتغذيتهم، واللافت أن لا أحد يعرف من أين ستأتي هذه الزيادة. فالمشكلة هي أن هناك طلبا زائدا ومتزايدا على المياه العذبة في حين أن العرض إما قليل أو في تناقص. قضية تزويد المياه تعاني مشكلات متكررة مثل إزالة الغابات وانجراف التربة في الجبال والمرتفعات، كما أن هناك نفاذا خطيرا ونضوبا للمياه الجوفية لأن المياه تستخرج من هذه الأحواض المائية لأغراض الصناعة والزارعة. وطبعا تستهلك الزراعة ما يقارب 70 في المائة من استهلاك المياه لأن الزراعة الصناعية تتطلب كميات مياه كبيرة، فمثلا أنت بحاجة إلى ثلاثة أمتار مكعبة لإنتاج كيلو واحد من الكورنفلكس، و15 مترا مكعبا من المياه لإنتاج كيلو من لحم البقر وذلك لأن الأبقار تتغذى على الحبوب. وأكثر من ذلك، الكثير من المياه السطحية تتعرض للتلوث وهي بالتالي غير قابلة للاستهلاك البشري، فالمياه الملوثة تسبب مشكلات صحية لا حصر لها، فملايين البشر يموتون سنويا بسبب الأمراض التي تسببها المياه الملوثة. كما أن كميات المياه المعروضة تتعرض لمشكلات نتيجة التغير في المناخ، فالاحتباس الحراري يؤدي إلى تسريع ذوبان الأنهار الجليدية ومن ثم لن يكون هناك الكثير من هذه الأنهار في المستقبل. فمثلا هناك أنهار جليدية في منطقة الهملايا تغذي الأنهر الكبيرة في الهند والصين وجنوب شرق آسيا. غير أن الانكماش في الأنهار الجليدية في هذه المنطقة سيفضي في نهاية الأمر إلى كارثة بيئية لا مناص منها. الإحصاءات والأرقام التي أوردتها المجلة مثيرة للغاية، فمثلا، ما يقارب 70 في المائة من المياه العذبة في العالم هي في الجليد، في حين أن أغلبية المياه المتبقية موجودة في أحواض جوفية تحت الأرض، حيث نقوم باستهلاكها بمعدلات تتجاوز نسبة التعويض الطبيعية، ويستخدم ثلثا المياه في نمو الطعام والزراعة، كما أن هناك ما يقارب 83 مليون نسمة زيادة سنوية في عدد سكان العالم ما يعني أن الطلب على المياه سيستمر في الارتفاع إلا إذا غيّرنا من الطريقة التي نستخدم فيها المياه. وتفيد الإحصاءات أن معدل استهلاك البيت الأمريكي من المياه 400 جالون من المياه يوميا، وهناك الملايين من السكان الفقراء يعيشون على أقل من خمسة جالونات في اليوم. كما تبين المجلة أن هناك ما يقارب 46 في المائة من سكان العالم لا توجد في بيوتهم مياه موصلة بالأنابيب، وأن النساء في العالم الثالث تمشي ما يقارب 3.7 أميال لجلب المياه، كما أنه في خلال 15 عاما فإن مليارا وثمانمائة مليون نسمة سيعيشون في مناطق تعاني نقصا حادا في المياه. واحد من كل ثمانية أشخاص ليس لهم فرصة الحصول على ماء نظيف، وفي كل عام يموت ما يقارب 3.3 مليون شخص بسبب مشكلات صحية تسببها المياه، وبالتالي غسل اليدين بالصابون يمكن أن يقلل بمعدل 45 في المائة من مرض الإسهال. العدد الحالي للمجلة يتناول التحديات التي تواجه البشر فيما يتعلق بموضوع المياه. ويحتوي على عديد من المقالات التي تتناول مواضيع وجوانب مختلفة من موضوع المياه في العالم. وهناك مادة خاصة بالمياه في الشرق الأوسط حيث تبين المقالة الخاصة بهذا الموضوع أن نهر الأردن، على وجه التحديد، كان سبب نزاع دائم بين العرب والإسرائيليين خاصة في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وهذا النهر تأثر كثيرا بسبب الجفاف والتلوث والاستخدام الزائد عن الحد، ويتساءل التقرير فيما إذا كان النضال من أجل إنقاذ النهر سيشكل طريقا نحو السلام! طبعا في الشرق الأوسط كانت وما زالت المياه الموضوع الحيوي وذلك لأن طبيعة المنطقة صحراوية وقليلة الحظ بالنسبة للأمطار. فبعد سنوات من الجفاف الذي عانى منه النهر الذي رافقته زيادة كبيرة في أعداد السكان في كل من إسرائيل وفلسطين والأردن، يمكن القول إن هذه الدول ستتنافس فيما بينها على مياه النهر. غير أن النزاع المائي في الشرق الأوسط ليس محصورا على نهر الأردن، ففي اليمن على سبيل المثال، وكما ذكرت صحيفة الجارديان البريطانية في السابع والعشرين من شباط (فبراير) الماضي، هناك توقعات بأن العاصمة صنعاء ستعاني نقصا شديدا في المياه وأنها قد تنضب منها المياه العذبة في عام 2017. فمعدل استهلاك المياه في تلك المنطقة يفوق معدل التعويض بأربع مرات. في اليمن هناك 21 حوضا مائيا، منها 19 لم تملأ بعد بسبب الجفاف وزيادة الطلب على المياه. وتضيف التقارير المختلفة أن الوضع أصبح حادا لدرجة أن الدولة تفكر في نقل العاصمة والبدء في مشروع تحلية المياه وضخه بارتفاع 2000 متر تجاه العاصمة صنعاء. الكثير من الخبراء يؤكدون أن الشرق الأوسط تنضب مياهه، وبالتالي فالأرضية مهيئة لمزيد من الصراعات في المستقبل. وفي كتابه الأخير عن المياه، يصف ستيفن سلمون التوتر المرتفع على مشاركة مصادر مياه نهر النيل بين مصر وإثيوبيا. ويتناول التقرير مشهدا عاشه كاتب التقرير حدث في تموز (يوليو) الماضي في نهر الأردن، فقد رأى ثلاثة علماء مياه من الأردن وفلسطين وإسرائيل غاطسين في النهر حتى ركبهم غير آبهين باحتمال تعرضهم لضربة شمس حيث الحرارة في تموز (يوليو) تكون مرتفعة جدا. وكان العلماء الثلاثة يقومون بمسح النهر أمام عدد من أصدقاء أرض الشرق الأوسط، وهي منظمة مجتمع مدني غير ربحية تكرس وقتها وجهدها لبناء السلام من خلال مشروع قيادة البيئة. غير أن كاتب التقرير يعرج على قصة معروفة عن نهر الأردن وهي أن إسرائيل قامت بتحويل الجزء الأكبر من المياه إلى مدن إسرائيلية في حين قامت سوريا والأردن ببناء السدود، ولهذا السبب فإن الجزء السفلي من نهر الأردن محروم من المياه النظيفة وتحول إلى مكان استقبال النفايات. والنزاع حول نهر الأردن يوضح أن هناك إمكانات لتفجر الصراع على المياه في جميع مناطق العالم، فنحن نعيش على كرة أرضية اعتاد الناس على ضرب بعضهم البعض حول الأنهار لسنوات، ومن هنا فإن كلمة منافس بالإنجليزية (rival) هي مأخوذة من نهر بمعنى (river) أي التنافس على نهر أو مجرى مياه. ومع أن التنافس على المياه هو أمر طبيعي يحدث بين الهند وباكستان وبين تركيا وسورية على نهر الفرات ومصر والحبشة على منابع نهر النيل .. إلخ، إلا أن هناك دراسة عن جامعة أروغين تفيد أن هناك 37 نزاعا مسلحا في العالم منذ عام 1950 على موضوع المياه فإن 32 من هذه النزاعات حدث في منطقة الشرق الأوسط، وهناك 30 نزاعا مائيا حدث بين إسرائيل وجيرانها العرب. ومن الطبيعي أن نقول إن النزاعات جرت على نهر الأردن ومنابعه وروافده وهي التي تزود الملايين من الناس ماء للشرب والزراعة. والواقع يشير إلى أن المواجهات المسلحة على نهر الأردن تعود إلى إقامة دولة إسرائيل في عام 1948، فبقاء دولة إسرائيل كان يعتمد إلى درجة كبيرة على ضمان الحصول على مياه نهر الأردن الذي تقع روافده في سورية ولبنان ومياه مخزنة في بحيرة طبريا. كما أن الدول العربية المحيطة بنهر الأردن كانت تنظر لمياه النهر بالطريقة نفسها وبالتالي شكل موضوع المياه حد الحرب والسلم في المنطقة. وهناك من يشير إلى أن جذور حرب عام 1967 كانت في محاولة إسرائيل تحويل مياه نهر الأردن وعندما قامت سورية بالتدخل في مجرى نهر بانياس. اللافت أن الخلاف والصراع على مياه نهر الأردن قد أدى إلى حوار، وهنا يشير جدعون برومبيرغ، أحد مديري جمعية أصدقاء الأرض في الشرق الأوسط، إلى أن ضرورة التشارك في مصادر مياه نهر الأردن هي أحد الطرق لتحقيق السلام لأنه يجبر الناس على أن يعملوا معا. وقد نسق الأردن مع إسرائيل في سبعينيات القرن الماضي بشأن مياه نهر الأردن حتى عندما لم يكن هناك معاهدة سلام بين البلدين. وما إن احتلت إسرائيل الضفة الغربية من الأردن في عام 1967 حتى قامت حكومة العمل الإسرائيلية ببناء عدد من المستوطنات في وادي الأردن، وقامت إسرائيل بحفر 42 بئرا ارتوازية عميقة في الضفة الغربية حتى تزود مدن إسرائيل بالمياه حسبما ورد في تقرير البنك الدولي لعام 2009. ثم لا بد للإشارة إلى أن معدل استهلاك الفرد الإسرائيلي من المياه يفوق بأربع مرات الفرد الفلسطيني حيث يستخدم أغلبها لأغراض الزراعة. وبالرغم من ادعاء إسرائيل أن المستوطنين يستخدمون المياه أكثر من الفلسطينيين بمرتين فقط إلا أن المستوطنين يحصلون على مياه تكفي لملء برك السباحة وسقاية حدائقهم وري أميال كثيرة من الأرض الزراعية. في المقابل قامت إسرائيل بمنع الفلسطينيين من حفر آبار ارتوازية في أرضهم، لذلك يضطر الفلسطينيون لشراء ماء من إسرائيل بمعدل دولار واحد لكل يارد مربع. تينا روزينبرغ كتبت مقالة بعنوان «عبء العطش» تتناول فيها قصة فتاة في إثيوبيا تساعد أمها على جلب الماء للمنزل واضطرت لترك المدرسة وهي في سن الثامنة من عمرها فقط لتساعد على عملية تدبير عملية تزويد المنزل بالمياه. ومع ذلك فإن الماء الذي تأتي به هو قذر وغير آمن للشرب. وعملية نقل الماء من النهر إلى المنزل تحدد الكثير من مناحي الحياة لقطاع واسع من النساء في تلك المنطقة. وتذكر تينا روزنبرغ قصة بينايو التي تحمل على ظهرها الماء وتتسلق جبل لتصل إلى قريتها وتقوم بهذه الرحلة ثلاث مرات يوميا. المفارقة هي أنه في المناطق الغنية من العالم، كل ما يحتاج إليه المرء هو فتح الحنفية وعندها يتم الحصول على ماء نظيف صالح للشرب. غير أن هناك ما يقارب 900 مليون نسمة يعيشون على هذا الكوكب ليس لديهم فرصة الحصول على ماء نظيف، كما أن هناك ما يقارب 2.5 مليار نسمة يعيشون على كوكب الأرض وليس في جعبتهم طريقة آمنة للتخلص من الفضلات البشرية. وغياب الماء النظيف وعدم توافر الحمامات المناسبة وغياب الشروط الصحية في حدودها الدنيا يقتل ما يقارب من 3.3 مليون

\

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *