اخر الاخبار

قصة نجاح قرية اسمها «المشايخ»

«المشايخ»، قرية صغيرة تقع في إحدى محافظات
الصعيد، وبالتحديد في مركز دار السلام التابع
 
لمحافظة سوهاج، وهي ضمن قرى قبيلة أولاد يحيي، يبلغ تعداد سكانها حوالي عشرة
ألاف نسمة، أغلب سكانها يعملون بالزراعة، ونسبة كبيرة من شباب هذا البلد يعملون بالخارج،
سواء داخل مصر أو خارجها، وهو مدرج ضمن قائمة المناطق الأثرية باسم «الكوم
الأحمر».

كل شئ متهالك

قبل سنوات قليلة، كانت هذه القرية كغيرها من
قرى ونجوع أولاد يحيي، مهملة ومنسية، كل شئ في هذه القرية كان متهالكا، طرق
متهالكة وغير مرصوفة، كوبري القرية الرئيسي الذي يربطها بالطريق السريع أيل
للسقوط، محولات كهرباء قديمة ومتهالكة ولا تكفى حاجة القرية، محطة مياه شرب غير
صالحة للشرب، مدرسة ابتدائية يتيمة، وحدة صحية متهالكة وشبه مهجورة وخارج نطاق
الخدمة، ليس بها أي مرافق أو خدمات.

الصورة بدأت تتغير.. والحلم بدأ يتحول إلى حقيقة

لكن خلال سنوات قليلة بدأت الصورة تتغير تماما، فبضل جهود شباب ورجال هذه القرية في الداخل والخارج، وبدأ الحلم يتحول إلى حقيقة، فخلال فترة وجيزة تم إقامة سور حول مقابر القرية لحمايتها بعد أن كانت مستباحة من الجميع، حيث كان يتم الإعتداء كل يوم على حرمة الموتى، سواء من خلال إلقاء القاذورات فوق هذه المقابر أوتحويلها إلى حظائر وزرائب للحيوانات ومرتع للكلاب الضالة، وإنشاء مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم بتكلفة تقترب من 300 ألف جنيه، وإنشاء مكتب بريد لخدمة أهالي البلد، وإنشاء محطة مياه للشرب، ورصف وتشجير مدخل البلد بطول أكثر من كيلو متر، كل هذه المشروعات تم تنفيذها بالجهود الذاتية من خلال تبرعات شباب ورجال القرية في الداخل والخارج.

حملة كبيرة ومنظمة ومطالب مشروعة

وقبل فترة قصيرة قام شباب ورجال تلك القرية في الداخل والخارج بحملة كبيرة ومنظمة، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة ومن خلال إرسال الشكاوي عبر البوابات الالكترونية للوزارات والمؤسسات والهيئات المختلفة ومخاطبة المسئولين على مستوى الجمهورية، لعرض المشاكل التي تعاني منها القرية والمطالبة بحلها، وكان من ضمن المطالب التي تضمنتها الحملة:

·       إنشاء مركز شباب للقرية التي تقع في حضن الجبل، حيث يعاني شباب البلد من عدم وجود مركز للشباب يكون متنفس لهم، يمارسون من خلاله رياضتهم المفضلة كرة القدم، وغيرها من الأنشة الرياضية والاجتماعية الأخرى، حيث يضطر شباب القرية إلى تأجير الملاعب في القرى الأخرى المجاورة.

·       كما تضمنت المطالب إنشاء كوبري جديد بدلا من الكوبري القديم المتهالك والأيل للسقوط والذي يربط القرية بالخط السريع، وهو المنفذ الوحيد لأهالي القرية للعالم الخارجي.

·       كما تضمنت المطالب إنشاء معهد ديني باسم« معهد سيف الأزهري»، بعد أن تبرع أحد أهالي القرية بالأرض من أجل اقامة هذا المعهد.

·       كذلك المطالبة بتغيير مواسير مياه الشرب القديمة والمتهالكة، والتي أصبحت تمثل خطرا داهما على صحة الأهالي.

·       ومن ضمن المطالب، تطوير مكتب البريد الخاص بالقرية، بعد أن أصبح لا يصلح للعمل.

·       كذلك المطالبة بتطوير الوحدة الصحية الموجودة في القرية، والتي كانت مهملة وشبه مهجورة.

·       وكذلك المطالبة بانشاء مدرسة المرحوم نشأت أبو المجد الإعدادية، حيث تبرع أحد أهالي القرية بأرض المشروع.

جني الثمار.. ما ضاع حق وراءه مطالب

والحقيقة أن هذه الحملة المتواصلة والقوية والجهود الجبارة التي قام بها شباب ورجال القرية في الداخل والخارج  أسفرت وأثمرت عن نتائج كبيرة خلال فترة وجيزة، ومن نتائج تلك الحملة وهذه الجهود:

الإنتهاء من إنشاء كوبري القرية الجديد، وتطوير الوحدة الصحية، وتطوير مكتب البريد، والشروع في إحلال وتجديد مواسير مياه الشرب، والإنتهاء من إنشاء مدرسة المرحوم نشأت أبو المجد الإعدادية.

مع وضع عدد من المشروعات ضمن خطة الدولة القادمة مثل، مركز الشباب، ومعهد المرحوم سيف الأزهري.

بالتزامن مع ذلك قام أهالي وشباب ورجال القرية في الداخل والخارج على نفقتهم الخاصة وجهودهم الذاتية بعمل مدخل للبلد، أبهر الجميع وصار حديث المحافظة والمركز، حيث يعتبر من أفخم المداخل على مستوى المركز، إن لم يكن على مستوى المحافظة، حيث بلغت تكلفة هذا المشروع أكثر من مائة ألف جنيه.

انشغالهم بالبناء لم ينسيهم أهلهم

لم يكتفى شباب ورجال القرية في الداخل والخارج بالبناء والتعمير والتطوير، ففي خضم انشغالهم بتطوير وبناء قريتهم لم ينسوا صلة الرحم والوقوف بجانب أهلهم غير القادرين والذين يحتاجون إلى الدعم والمساعدة، وهؤلاء الشباب لا يعتبرون هذا الدعم وهذه المساعدات نوع من المن أو التكرم أو التفضل أو الشفقة، ولكنهم يعتبرونها واجبا ومسئولية، فرضها عليهم صلة الدم والرحم والأصل والمصير المشترك، ومن باب حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وهذه المساعدات تمثلت في، تجهيز العرائس وتخصيص مبالغ مالية شهرية لغير القادرين، وتقديم الدعم المادي لبعض المرضى، والتكفل بمصاريف المدارس لبعض التلاميذ، بالاضافة إلى توزيع اللحوم والمواد الغذائية على الأسر غير القادرة في عيد الأضحية وبعض المناسبات، وكذلك توزيع البطاطين في الشتاء على الأسر المحتاجة، وهذه الأعمال تتم بمبادرات فردية وجماعية، وفي السر والعلن.

 

لكل نجاح أسباب .. جدهم واحد ودمهم واحد ومصيرهم واحد

ولأن أي نجاح لا يأتي من فراغ، فهذا النجاح الذي تحقق في هذه القرية له أسباب كثيرة منها:

·       التصميم والعزيمة والإرادة والغيرة لدى شباب ورجال القرية بأن تصبح قريتهم من أفضل القرى في المنطقة.

·       روح البذل والعطاء والتضحية والعطاء بلا حدود، التي تميز بها هؤلاء الشباب، فرغم غربتهم وبعدهم باجسادهم عن قريتهم إلا أن أرواحهم كانت معلقة بها، ولم يمنعهم بعد المسافات من خدمة قريتهم، سواء بالمال أو الجهد، وقد ساعدهم في ذلك وجود وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة ووجود بوابات الكترونية لكل الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية في مصر.

·       وضع مصلحة القرية فوق أي اعتبارات أخرى، فهؤلاء الشباب استطاعوا أن ينحوا الخلافات الشخصية الضيقة جانبا.

·        روح الوحدة والتعاون التي تميز بها هؤلاء الشباب، فتقسيم القرية إلى عائلات نظريا لم تسنيهم عن هدفهم ولم تنسيهم أنهم في النهاية جدهم واحد ودمهم واحد ومصيرهم واحد، بل أن الغالبية العظمى منهم ترفض هذا التقسيم الوهمي وتعتبر البلد أسرة واحدة وعائلة واحدة وأن هذا التقسيم ما هو إلا إيرث ويجب أن ينتهي بإنتهاء الجهل، لاسيما وأن القرية الأن أصبحت تعج بالشباب المتعلم المثقف الواعي المتدين المحب لبلده، وأصبح بها مثقفين ومهندسين ومستشارين وصحفيين ومعلمين وأطباء ومحامين وضباط ومحاسبين ورجال أعمال ومرشحين في المجالس النيابية والتشريعية وموظفين في مختلف المواقع الحكومية، وبعضهم يشغل مناصب عليا في المجالس المحلية ووكلاء وزراء وخطباء مساجد وغيرها من المهن والوظائف العليا والمرموقة، حتى صارت هذه القرية نموذج يحتذى به في الوحدة والتعاون ونبذ الفرقة والتعصب العائلي.

·       ويعتقد الكثير من شباب القرية، أن أسباب نجاحهم يكمن في تماسكهم ووحدتهم وتعاونهم وحبهم لبعض ووضعهم مصلحة البلد فوق أي مصالح شخصية ضيقة واعتصامهم بحبل الله، ولا ينسبون هذا النجاح لشخص أو مجموعة أشخاص، ولكن ينسبونه لكل شباب ورجال القرية في الداخل والخارج، فالكل عندهم مشارك في هذا النجاح، سواء بالمال أو الجهد أو حتى بالكلمة الطيبة والتشجيع، فهم كما يقولون دائما يعملون بقول الحق سبحانه وتعالي:« وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان»، وقوله تعالي« وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ».

·       ومن الأسباب الرئيسية لهذا النجاح، أن الغالبية العظمي من شباب القرية عصاميون وغير اعتماديون، فالشاب في هذه القرية بمجرد أن يحصل على المؤهل وينتهى من تعليمه لا ينتظر الوظيفة الحكومية ولا ينتظر أن يصرف عليه والده حتى لو كان ثريا أو غنيا أو صاحب أملاك، فمجرد حصوله على المؤهل، إما أنه يعمل في التجارة أو يعمل مع والده في الزراعة أو أنه يسافر للعمل في الخارج سواء داخل مصر أو خارجها، كما تتميز الغالبية العظمي من شباب هذه القرية بالاستقامة والتدين والنخوة والشهامة والرجولة، وهذه قيم وعادات وتقاليد ورثوها عن أبائهم وأجدادهم والبيئة التي يعيشون فيها.

الطريق ما زال طويلا .. نحتاج إلى المزيد

رغم كل هذه الإنجازات التي تحققت، سواء عن طريق الجهود الذاتية والتبرعات أو عن طريق الدولة، إلا أن هناك الكثير من المشروعات التي تحتاج إليها القرية الفترة القادمة منها:

·       الحاجة الملحة إلى تقوية محولات الكهرباء وتجديدها وتطويرها وزيادة حمولتها.

·       الحاجة الملحة إلى شبكة صرف صحي.

·       الحاجة الملحة إلى مدرسة ثانوية.

·       الحاجة الملحة إلى رصف الطرق الرئيسية والفرعية.

·       الحاجة الملحة إلى تبطين الترعة الصغيرة.

·       الحاجة الملحة إلى توفير وسائل نقل حديثة.

·       الحاجة الملحة إلى عمل كردون للمباني، لاسيما وأن القرية ليس لها ظهير صحراوي مثل البلدان الأخرى المجاورة.

·       الحاجة الملحة لاقامة مشروعات انتاجية للعاطلين عن العمل ومحدودي الدخل.

·       توفير أطباء وأجهزة حديثة للوحدة الصحية بالقرية.

·       الحاجة الملحة إلى محطة مياه نقية.

·       الحاجة الملحة إلى وضع حد لمشكلة الأثار التي تعطل الأهالى من تطوير قريتهم.

·       البدء في إنشاء مركز الشباب، بعد وضعه على خطة الدولة.

·       البدء في إنشاء معهد المرحوم سيف الأزهري، بعد وضعه على خطة الدولة.

شركاء في النجاح

وفي خضم هذا النجاح، لم ينسى شباب وأهالي هذه القرية أن هناك شركاء في هذا النجاح، لذا فهم يتوجهون بالشكر والعرفان إلى الدولة المصرية ومؤسساتها على ما أبدوه من تعاون واستجابة، في ظل مبادرة «حياة كريمة»، التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي والدولة المصرية، والتي تهدف إلى إخراج الصعيد من دائرة النسيان والتجاهل والظلم التي عاني منها لعقود طويلة على يد أنظمة وحكومات سابقة، فهم يعتبرون أن هذا النجاح وراءه دولة قوية وعادلة ومساندة وداعمة.

ولم ينسى أهالي وشباب القرية توجيه الشكر إلى السيد اللواء طارق الفقي، محافظ سوهاج، والسيد رئيس المجلس المحلي لمركز دار السلام، وكل أجهزة المحافظة التنفيذية على تعاونهم مع الأهالي لتنفيذ تلك المشروعات، سواء التي تتم بالجهود الذاتية أو التي يتم تنفيذها عن طريق الدولة.

 كما يتوجهون بشكر خاص إلى السيد رئيس مجلس قروي أولاد يحيي بحري، السيد عماد إبراهيم، على الجهود الجبارة التي يقوم بها وعلى تعاونه مع الأهالي، ويعتبرونه مشارك رئيسي في هذا النجاح.

ويعتبرون هذا النجاح مثال يحتذى به في التعاون بين الدولة وأجهزتها المختلفة وبين الأهالي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.