اخبار مصر

وزِّعوا الحب الأسبوع نيوز

لا شك أن الثورة ثورة يناير وما تبعها من أحداث، قسَّمت الأسر المصرية من الداخل إلى أشتات متناحرة، ولعل هذا أخطر ما أنجبته الثورة، انشطار ما يجب تماسكه، فخاصم الأخ أخاه، وترك المريض طبيبه الأثير، وناطح التلميذ أستاذه المحبب في دروب السياسة.. .فعشنا في انهيار مجتمعي خطير.

وقليلون هم مَن نجوا من تلك الرحى، فوزَّعوا الحب على الجميع دون تمييز. ليس من قبيل النفاق الاجتماعي، ولا من قبيل اللامبالاة، ولكن قلبهم الكبير استطاع أن يستوعب الجميع بعيدا عن إطار الخلاف.. .

كان أستاذي من تلك الفئة النادرة التي ترفعت عن الخلافات، فأعطى طلابه في كل العصور دون تمييز أو ميل، إلا ما كان من سبيل الأخذ بيد الضعيف، أو مساعدة المجتهد على التفوق.. .فأصبح له مع كل طالب حكاية، حتى إنك لتعجب من كمّ المواقف التي يرويها الطلاب ويحمل كل منها طابع فريد، فنتساءل كيف لشخص واحد أن يوزع كل هذا القدر من الحب؟

وفي فترة لم تكن الثانوية العامة تعتمد إلا على الدروس الخصوصية، كانت أياديه بيضاء على كل طلابه، فكانت الأموال خارج دائرة اهتمامه، حيث لا تحصيل من فقير أو مغترب، وكانت كلمته الشهيرة: (كفاية عليكم عناء السفر وفلوس المواصلات).. .

كانت بداية العطاء معه مبكرة، فحين أنتهى من الثانوية العامة بعد حرب أكتوبر بقليل، قرر الالتحاق بكلية الشرطة، إذ يمتلك كل مؤهلاتها، فهو رياضي وسيم من أسرة طيبة. ولكن تشاء الاقدار ألا يدخل الشرطة، ويدخلها زميله وهو أقل منه في كل شيء.

وليس شرطا أن تكون ذا رتبة أو منصب لتخدم من حولك، ولكن العطاء يولد مع الإنسان وينمو في أي بيئة تقابله. وقد كان عطاؤه عظيما، إذ تخرج مدرسًّا للغة الإنجليزية، فحملها بتفوق وأعطاها بحب. فحتى في تلك السنة التي انخفضت بها الدرجات والمجاميع، حصل سبعة من طلابه على الدرجة النهائية.

وهكذا استمرت رحلة عطائه أربعين عاما أو يزيد، أعطى فيها كل ما يملك من علم، ووزع فيها الحب على الجميع، أعير إلى الخارج فاعتبره السعوديون أباهم وظلوا على اتصال به طيلة حياته، ، ، فهو لم يبخل بعطائه يوما.

فلاحقته العناية في مراحل حياته المختلفة، عاش ليعطي، فأعطاه الله كل شيء بقدَر، عاش عزيزا ومات جابرا للخواطر.. .

صدمته سيارة وهو في طريقه إلى حفل زفاف أحد طلابه، صدمت الحب في مقتل، فأصيب بنزيف في المخ تحول معه الفرح لمأتم، وتحول المستشفى العام إلى خلية من طلابه، فأجريت عملية دقيقة أشرف عليها تلامذته وأبناؤه.. .وشاء القدر أن يدخل في غيبوبة تستمر لستة أيام يقضيها في العناية المشددة.

شكَّل وجوده في العناية أزمة كبيرة للمستشفى العام، فزواره هو وحده أكثر من زوار بقية المرضى مجتمعين، أصبح المستشفى مزارا لأصدقاء وطلاب بل وطالبات من كل الأعمار.. .حتى اعتقدنا أن صديقه الذي أصبح لواء يتمنى لو كان في مكانه وتبدلت الأدوار.. .

وداعا أستاذ الأجيال/ عادل ربيع

أ. عادل ربيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *