اخبار المغرب

هكذا جنّد الاستعمار الفرنسي مخبرين لاختراق بنية المجتمع المغربي

سيناريو آخر ذلك الذي كانت عليه أطماع فرنسا الاستعمارية في المغرب منذ نهاية القرن التاسع عشر، فضلاً عن جدل أسئلة وتخوفات حول ما من شأنه اعتراض سبيل اختراق بنية مجتمع ممتدة ومجال كبير بتوزع وتباين ثقافة.

وعليه، إلى جانب ما اعتمدته من نهج ضغط جمع بين حبال سياسة واقتصاد وتعاقد وقوة عسكرية لبلوغ حلم شمال إفريقي تابع، ولتحقيق توسع بأقل كلفة مادية وزمنية ممكنة مستفيدة من تجربتها بالجزائر، ارتأت الآلة الفرنسية سلاح تعَرُّفٍ شمل مجال وإنسان وتاريخ وثقافة وقدرات بلاد، ما توجهت صوبه ورتبته عبر مخبرين هنا وهناك ناهيك عن رحالة وسياسيين ومبشرين وعسكريين، سواء قبل أو بعد فرض الحماية وخاصة خلال فترة ما عُرف بالتهدئة مكراً.

سياق يمكن الحديث فيه عن ورش مسح معرفي واسع، تقاسمه عمل فردي مغامراتي وآخر بمهام أكثر تحديداً هو ما أنيط بضباط عسكريين وضعوا تحت المجهر مناطق ومدن وبوادٍ وقبائل وقضايا عديدة، فكانوا بعميق أثر ودور فيما حصل من كشف وإبراز ورصد، مستفيدين مما تلقوه من تكوين وإعداد وسند وتوجيه، فضلاً عما تحقق عبرهم من تقارير ودراسات كانت على درجة من الأهمية الإستراتيجية لفائدة عمليات عسكرية وبسط نفوذ.

وبقدر ما كان عليه سلاح التعرُّف الاستعماري من رهان فتك بوضع بلاد، بقدر ما استهدفت الأطماع الفرنسية من خلاله إضفاء شرعية وجود مع جميع ما هو لاحق من أنشطة وفق رؤية ليوطي وهندسة تهدئة بين قوسين. فالمعلومة في قناعة هذا الأخير حول وجهات يراد اقتحامها هي جزء من ربح عمليات ونجاحها، فضلاً عن أهميتها في زعزعة بنيان قبل إعادة هيكلته وإعداده على أساس ما هو محدد من مقاصد.

وكان جورج هاردي، مدير التعليم ومهندس ناشئة سنوات الحماية الأولى، قد أورد أن جميع ما يكتب حول ما هو مجالي وتاريخي وأركيولوجي وإثنوغرافي وفني..، يبقى بهدف أساسي يخص بلوغ روح البلد (المغرب)، هكذا كان التعرف Reconnaissance بدور في تهدئة مغرب ومغاربة وفرض أمر واقع بعد ما حصل من احتلال.

ولا شك في أن ما خلفته الآلة الاستعمارية من أرشيف كان نتاج عمل أطراف عديدة، كما بالنسبة لضباط عسكريين شملت أنشطتهم ومهماتهم التعرفية كل جهات البلاد على امتداد حوالي المائة سنة، مع أهمية الإشارة إلى أنه من خلال ما كتب حول مغرب الحماية وقبلها، يتبين أن ما هو زمن تاريخي فيه كان بدرجة عناية وتراكم أكبر متبوعاً بما هو سوسيولوجيا وفنون وأركيولوجيا وإثنوغرافيا وغيرها. بل وحتى عند التأمل فيما احتوته مجلة اخبار المغرب مثلاً زمن الحماية نجد هيمنة أبحاث ودراسات بطبيعة تاريخية، ما يعني أن شغل الأطماع الاستعمارية الشاغل لهذه الفترة كان بالدرجة الأولى جعل ماضي البلاد أداة تحكم في حاضرها وفي نوازل ما باتت عليه من وضع جديد.

إشارات بمختصر مفيد لا شك في أنها غير خافية على باحثين مؤرخين، ارتأيناها مدخلاً لتسليط بعض الضوء حول نموذج كتابة كولونيالية ووثيقة تعرفية بطبيعة مونوغرافية عن زمن الحماية. تخص واحدة من مدن المغرب القديمة التي كان ممرها دوماً متحكما فاصلاً بين شرق البلاد وغربها، وواحدة من قبائل ممر شهير بأعالي إيناون عرفت بسلطة جبل وبتدافع وردود أفعال وتقاليد قتال طبعتها منذ قرون. يتعلق الأمر بتازة وبممر تازة وبقبيلة غياتة، وبمؤلف موسوم بـ”تازة وغياتة” للنقيب فوانو ذلك الذي تم إعداده منذ مائة سنة بالتمام والكمال.

مؤلف/ وثيقة كانت ولا يزال مرجعاً على قدر كبير من الأهمية أمام ما هو كائن من تواضع عدد أبحاث ودراسات، رغم ما يسجل من إضافة في هذا الباب من قبل مهتمين وباحثين. وهنا وجه غرابة وسؤال حول واقع حال مدينة ومنطقة معاً، بحيث بقدر قِدم تازة ومحورية ووقع ممرها عبر تاريخ البلاد على الأقل منذ العصر الوسيط، وما كانت عليه من أدوار وتوجيه لوقائع ومعارك نفوذ ونشأة وانهيار دول.. كذا من مهمة حجاب وستار لفاس العاصمة من جهة الشرق. بقدر ما لم تجد المدينة من ينصت لزمنها بما هو كاف ويبرز تاريخها خلال فترة الحماية عبر ما هو شاف من دراسة أو مصنف حقيقي مُلم يسمح محتواه بالتعرف على جوانب عميقة متكاملة، ومن هنا أهمية وقيمة ومكانة مؤلف “تازة وغياتة” للضابط الفرنسي فوانو الذي لم يكن عمله بأهداف علمية صرفة.

ويدخل مؤلف فوانو حول مدينة تازة وقبيلة غياتة ضمن وثائق مكاتب ما عرف على عهد الحماية بالشؤون الأهلية، ولعلها تقارير ودراسات أنجزها هنا وهناك عدد من الفرنسيين المدنيين والعسكريين عن الإدارة الاستعمارية ودواليبها. ما كانت عليه من تحريات ميدانية وحرص على جمع معلومة وفق ما ينبغي من حقيقة ودقة، جعل حجم تراكمها كأرشيف أجنبي بدهشة باحثين ومؤرخين. وكغيره ممن توجهوا بالعناية لمجال التعرف على المغرب ضمن أهداف محددة، كان فوانو شغوفا بتعلم اللغة العربية والأمازيغية وبمعرفة تاريخ البلاد، كذا بخبرة في الكتابة وجمع المعطيات من خلال ما أعده من أعمال بحث سابقة سواء بالجزائر أم بالمغرب الشرقي، فضلاً عما كان عليه من تناغم مع عقيدة عسكرية فرنسية ومن انضباط لأهدافها، فقد كانت تحركه رغبة إسهام في تحقيق مجد فرنسي فيما وراء البحار وبالمغرب تحديداً.

ويرتب عمل فوانو (1869- 1960)حول تازة وغياتة ضمن ما تم إعداده حول المغرب من نصوص وتقارير منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى العقود الأولى من زمن الحماية على البلاد، ما شكل جزءا من أثاث استعماري جمع بين ما هو اقتصادي ومالي واقتصادي وعسكري وثقافي علمي، مع أهمية الإشارة في هذا الباب إلى أنه بقدر ما لا تخلو هذه النصوص عموما من أهمية معرفية حول ماضي المغرب بقدر ما كان هاجس أصحابها يراوح بين جمع أكبر قدر من المعطيات حول البلاد وتقديم تقارير، بقدر ما كانت أيضاً تمهيدا لعمليات عسكرية وترسيخاً لأساليب استغلال وتبريراً لسياسة مستعمر تجاه اقتصاد ومجتمع وثقافة.

كتاب فوانو هذا هو بحوالي مائتي صفحة من قطع متوسط وبثلاثة فصول تقاسمتها مباحث وقد صدر عن مطبعة وهران بالجزائر عام 1920، لكل متصفح يتبين أنه تأسس على مصادر ومراجع لتقديم حقائق تاريخية ومعطيات مجالية وبشرية بقدر مما هو تنقيب وتحرٍّ ودقة علمية وحرص على إحالة. ففي فصل أول من ص 2 إلى ص 60 توجه فوانو بعنايته كما في جل سابق أعماله، إلى ما هو فيزيائي وإنساني يخص تازة موقعاً وموضعاً وممراً وجواراً، ثم إلى ما هو تاريخي جمع بين بقايا أثرية ووثائق مختلفة وتنقيبات وأسوار قديمة ومصادر مياه وأبواب وأحياء وسكن وسكان من مسلمين ويهود وبنايات وأسواق ومعالم أثر ديني وفكري ودفاعي من مساجد وأضرحة ومدارس وحصون، مع أهمية الإشارة إلى ما ذكره وأقحمه في هذا الفصل حول احتلال تازة من قبل الفرنسيين وما قال عنه أنه أنهى فترة عدم استقرار.

ومن خلال صفحات معدودة مثيرة للسؤال في فصل ثان من المؤلف عنونه فوانو بـ”غياتة”، تحدث عن موقع ومجال قبيلة وطبيعة جبل وقمم ومناخ وينابيع مائية ومجارٍ، خاصة وادي ايناون وروافده، فضلاً عما أورده حول سكن أهل غياتة التي قال بأصولها الأمازيغية وبأنها كانت على دين يهودية قبل الفتح الإسلامي معتمداً في ذلك على ما جاء عند ابن خلدون؛ بل ربما وبخلفية ما أضاف أنNohum Slouschz قال إن غياب أصول جنيالوجية لغياتة يجعل الاعتقاد قائما حول كونها تكونت من لاجئين يهود انتهوا إلى تجمع وتقرب من البربر، ولا ندري لماذا أدرج فوانو الفكرة قبل أن ينتهي إلى القول بصعوبة الاطمئنان إليها. وقبل أن يقول بوجود عناصر يهودية في القبيلة إنما بعمق أمازيغي. وبشكل محدود من حيث الدراسة والمعلومة التاريخية في نفس الفصل، أشار فوانو إلى فروع القبيلة وفرقها ولِما قاله دوفوكو حول قوتها وعدد فرسانها وسلاحها وعدد أفرادها.

أما في فصل ثالث من ص 80 إلى ص 160، وهو الجزء الأهم في المؤلف من حيث الحجم، فقد تناول فوانو مكونين أساسين هما تاريخ المغرب ثم موقع تازة، مستحضراً جملة نقاط لا تخلو من إشارات دفينة وخلفيات، وهو ما توزع على أزمنة قديمة جمع فيها بين مرحلة الرومان والمغرب والعادات والتقاليد الإسلامية، قبل أن يعرج بعناية معبرة عن الدولة الإدريسية وقبيلة مكناسة وفترة المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين، وقبل أن يتوقف على وقائع قبيلة غياتة خلال القرن التاسع عشر؛ وهو ما تذكره مصادر مغربية عديدة، وقبل أن يتحدث عن ثورة الفقيه الزرهوني (بوحمارة) وأحداث فاس الدامية ثم احتلال تازة 1914.

ويسجل منهجيا أن مؤلف “تازة وغياتة” هو ببليوغرافيا مهمة حرص فوانو على وضعها لطبع عمله بما ينبغي من تقاليد بحث وأخلاقيات، بل عمل على إبراز ما تأسست عليه معطياته من مراجع ومصادر مغربية باللغة الفرنسية، فضلاً عن تقارير لفرنسيين ورحالة وهي بالعشرات. هذا إضافة إلى خرائط طوبوغرافية تخص تازة مع جداول تقاسمتها معطيات مجال المدينة، كذا خريطة تخص قبيلة غياتة وملحقات حول أعمال أركيولوجية ذات صلة.

ويتبين أن صورة تاريخ محلي منتظم ممنهج ببلادنا لم تتبلور سوى بعد فرض الحماية عليها، بالنظر إلى ما أنجز من منوغرافيات تناولت قبائل وبوادي ومدن ومناطق وقضايا أطرتها أهداف استعمارية بالدرجة الأولى، دعماً لعمليات عسكرية وإعداداً لأوراش لاحقة بطبيعة إدارية واقتصادية وثقافية وغيرها. ونادرة هي الكتابات التي اهتمت بتازة بشكل مفصل، بعد احتلال المدينة. ومن هنا، يبقى مؤلف “تازة وغياتة”، على أساس ما ورد فيه من معطيات وتحليل وتفاصيل، الوحيد الذي توجه بعناية إلى المنطقة في إطار عمل مونوغرافي، بعد جملة أعمال أعدها فوانو حول وجدة وتدكلت، فضلا عن تقارير إثنوغرافية عديدة حول قبائل مغربية وعمليات عسكرية خاضتها القوات الفرنسية منذ 1912، ناهيك عن مؤلف الآثار المجيدة للمهدئين وغيره من الأعمال التي صدرت بوهران.

يذكر أن ما أعده فوانو من مؤلفات حول تاريخ المغرب بعد فرض الحماية عليه كان ورش دراسة تحليلية نقدية مقارنة اشتغل عليها لسنوات الأستاذ عبد اللطيف الدقشي، ما قطع فيه شوطاً مهما مستحضراً ما هو بتماسات مع تازة موقعاً وممراً ووقائع وقبائل، لو اكتمل وتحقق هذا العمل كلحظة علمية لشكل بحق قيمة مضافة مهمة للخزانة التاريخية المغربية عموماً ولنصوص خزانة تازة تحديداً، خاصة أن الباحث هو بتكوين لغوي فرنسي متين ومواكبة أكاديمية وإلمام مفاهيمي وكفاءة ترجمة عالية، علماً أنه كان أول من ولج سلك الدراسات العليا بعد الإجازة نهاية سبعينيات القرن الماضي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس.

وإلى حين اكتمال هذا العمل العلمي التركيبي المقارن بعد تجاوز صاحبه لمحنة مرض شفاه الله، تبقى أهمية الإشارة إلى أن اعتماد مؤلف “تازة وغياتة” في أبحاث تاريخية مغربية كغيره من النصوص ذات الشبه يطرح مسألة درجة صدقية وسبل تعامل مع وعاء معلومة تاريخية واردة بمؤلفات أجنبية عن تاريخ المغرب، وخاصة خلال فترات دقيقة حرجة كما أواخر القرن التاسع عشر وفترة الحماية، علما أنها كانت على قدر معبر من جهد وتحري وتنوير حول ما هو وطني ومحلي.

ولا شك في أن مؤلف “تازة وغياتة” لـفوانو جاء في خضم توسع وتوغل وتسرب استعماري- مفاهيم بدلالة واحدة ضمن بعد تاريخي وليس مدرسي-، في نواحي تازة وخاصة بجنوبها الجبلي حيث غياتة والأطلس المتوسط؛ وهو ما كان بحاجة إلى معطيات مجالية وبشرية دقيقة داعمة لعمليات عسكرية، من أجل بسط سيطرة على نقاط قوة وجبل واخضاع قبيلة.

يبقى أنه ضمن زخم تقارير ودراسات كولونيالية حول المغرب كانت فرنسا قد جندت ضباطها لإعدادها من أجل أهداف محددة، نعتقد أنه من المفيد للباحثين والمهتمين استثمار ما يحتويه مؤلف “تازة وغياتة لفوانو من نتاج عمل ميداني وجوانب موضوعية على علة ما قد يسجل حوله، دون نسيان كون من كتب من المؤرخين الأجانب حول تاريخ مغرب الحماية كثيرا ما رددوا نغمة سوء حظ البلاد في علاقتها بحكم رومان واعتناق اسلام وهجمة بني هلال..، بيد أن سوء حظها الحقيقي- يقول العروي- هو أن تاريخها كتبه هواة دون تأهيل وموظفون ادعوا عِلماً وعسكريون تظاهروا بثقافة..، وعموماً مؤرخون دون تكوين لغوي وأركيولوجيون دون تأهيل تاريخي، يحيل بعضهم على بعض ويعتمد هذا على ذاك لفرض افتراضات بعيدة كحقائق مقررة وحبك خيوط مؤامرة. هكذا، جندت فرنسا ضباطها صوب تاريخ المغرب، وهكذا كان بعض من مؤلَّف “تازة وغياتة” بين مهمة تعَرُّف ودسائس التفاتة.

*مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق