اخبار عمان

تحديات الاحتكام إلى العقل (1)

 

أ. د. حيدر أحمد اللواتي

آمنت البشرية عبر تاريخها الطويل بقيمة العقل ومكانته واعتبرته أحد أهم السبل للوصول إلى الحقائق المختلفة في حياة الإنسان فالتفكير السليم والصحيح يوصل الإنسان إلى النتيجة الصحيحة، وسعت إلى ضبط طرق التفكير وتعلمها بصورتها الصحيحة والتعود على ممارستها عبر الدراسة المنطقية التي تملأ المكتبات.

لكن تمكن الإنسان من الدراسات المنطقية والتفكير المنطقي السليم لا يضمن إطلاقا، صحة النتائج التي يتوصل إليها العقل، ولذا فلا يكفي أن يتعلم ويتدرب الإنسان على ممارسة المناهج المنطقية للوصول إلى نتائج صحيحة، والسبب في ذلك يعود للنفس البشرية التي قد تجد في كثير من الأحيان صعوبات بالغة من الإذعان إلى صوت العقل ولذلك فهي بما تملك من قدرات هائلة، تقوم بالسيطرة على العقل في بعض الأحيان، فيصبح العقل مطية لها، فبدل أن تخضع النفس للعقل، تجعل العقل وما تعلمه من طرق التفكير المنطقي أداةً ووسيلةً يُبرر لها سلوكها وأفكارها التي تؤمن بها، وبهذا فهي أخضعت عقلها لذاتها بقصد أو بدونه.

فمثلًا، تعلم النفس الإنسانية جيدًا أنَّ المجتمعات تنظر بنظرة سلبية لمن يقوم بمدح نفسه وإعلاء شأنها، لذا قد تلجأ إلى ذلك بشكل غير مُباشر كأن يلجأ الإنسان إلى الحكم على عظم الأعمال التي قام بها ذووه أو قبيلته التي ينتمي لها، ولا يهدف من خلال ذلك، إلا لإعلاء شأن ذاته المتضخمة، ولكن النفس بسيطرتها على العقل توهمه بأنه يقوم بمدح الآخرين، وهي صفة حميدة، لا يجد المجتمع غضاضة في قبولها بل قد ينظر لها بإيجابية فمدح الآباء والأجداد اعتراف منه بفضلهم عليه.

وغالبًا ما ترفُض النفس البشرية أن تسم نفسها بالجهل، وخاصة إذا كان الإنسان قد نال نصيبًا من العلم في مجال من المجالات وأصبح ذا مقام ورفعة بين الناس، بسبب شهادته وعلمه؛ بل قد يصل به الحال لأن يحكم على علوم برمتها بأنها علوم لا قيمة لها أو علوم لا تحتاج إلى جهد يذكر، ويمكن تحصيلها بسهولة ويسر، وبالمقابل يرفع من قيمة علوم أخرى يتقنها ويعتبرها ذات شأن كبير وأهمية بالغة، والحال أن عليه أن يراجع نفسه مليًا، فهل ما حكم به هو حكم العقل حقًا أم هو حكم ذاته المتضخمة التي سيطرت على العقل وجعلته يحكم على ما يجهل بأن لا قيمة له وأن ما يلم به ذو قيمة كبرى؛ لأن قيمة ذاته ترتبط بقيمة ما تعرف، فالنفس ترفع من قيمة ذاتها من خلال رفع شأن العلوم التي تتقنها.

الملاحظ أن الإنسان قد يمر بحالات يناقض بها نفسه، فتجده يدافع عن فكرة ما في محضر البعض ومن ثم يقوم بانتقاد الفكرة ذاتها أمام الآخرين لا لشيء بين ولكن نفسه تنازعه وتدفعه إلى ذلك دفعًا وقد تبرر له ذلك بتبريرات معينة عليه أن يكون حريصا في تقييمها وأنها بالفعل قائمة على موازين عقلية لا على مزاج وهوى نفسي.

ومن هنا فهناك من يُشير إلى أهمية التقوى في تحصيل العلم؛ لأنَّ التقوى تجعل الإنسان يحكم أخلاقيات المعرفة من تواضع وخشية لله تعالى للحكم على ما تصله من علوم وقد يكون ذلك من مصاديق قوله تعالى “واتقوا الله ويعلمكم الله”، فتقوى الله والخشية منه تجعله متواضعا يقبل على العلم تاركا خلفه غروره وتكبره.

وإذا كان البعد الأخلاقي يلعب دورًا حاسمًا ومهمًا في ضبط العقل وعدم السماح للنفس في السيطرة عليه، فإنَّ التربية والبيئة تلعبان دورًا حاسمًا ومهمًا أيضاً في توجيه العقل في اتجاهات معينة قد تفقده البوصلة الصحيحة في الحكم على الأشياء.

ولعل أكثر الأمثلة المثيرة والتي توضح لنا أثر التربية والبيئة على العقل وأحكامه هي نظرة المجتمعات البشرية على مدى التاريخ لظاهرة العبودية، فالملاحظ أننا نحن أبناء هذا القرن ندين كل أشكال عبودية الإنسان لأخيه الإنسان، لكن التاريخ البشري مليء بعقول جبارة غيرت مجرى التفكير البشري إلا أنها ورغم ذلك دعمت عبودية الإنسان لأخيه الإنسان ونظرت له واعتبرته أمرا طبيعيا، ففلاسفة اليونان مثلاً وأرسطو “المعلم الأول” للبشرية كانوا يؤمنون بالنظام الطبقي وبنظام العبودية ويعتبرونه أمرًا طبيعيًا وسويًا؛ بل إنه كان البعض منهم يؤمن بأنَّ النظام الاجتماعي لا يمكن له أن يستقيم دون وجود طبقة العبيد!

وربما يجد المتابع أمرًا شبيهًا بنظرة الرجل للمرأة، فلا يمكن بحال من الأحوال أن نقارن نظرة مجتمعاتنا الحالية إلى المرأة بنظرة المجتمعات البشرية عبر التاريخ، فالنظرة الدونية للمرأة أمر مثير للدهشة والعجب، ويكاد لا تخلو منه المجتمعات البشرية عبر التاريخ الموغل في القدم وإلى قبل عقود من الزمن؛ بل إنَّ بعض كبار الفلاسفة وأصحاب الفكر كان يحقر المرأة ويعتبرها من الحيوانات وليست بشرا أنعم الله عليها بنعمة العقل.

وربما يتذكر البعض منع الآباء تعلم بناتهم وخاصة في مجتمعاتنا العربية بل كان البعض يصبغه بصبغة دينية مقدسة ويعتبره أمرًا محرمًا تشريعاً، ومرة أخرى نجد أن الآية انقلبت تماما ونجد أن عقول أبناء هذا القرن لا تتصور كيف يمكن أن تسلب المرأة حقها في التعليم.

إن التغيُّر الكبير والهائل في نظرة الإنسان إلى نظام الرق والعبودية ونظرة الرجل للمرأة يوضحان وبشكل كبير مدى تأثير البيئة والتربية على العقل وأحكامه، فعقل من يملك الحقيقة هل هو عقل إنسان القرن الواحد والعشرين وما بعد؟ أم عقول البشر في الحضارات السابقة؟!

وإذا كان البعد الأخلاقي والتربية والبيئة تؤدي دورًا حاسمًا في توجيه العقل وتبنيه لآراء معينة، فإن العلوم الحديثة كشفت عن تحديات أخرى وجعلت الاحتكام إلى العقل والجزم بصحة ما توصل إليه أمرا بالغ الصعوبة.. وهذا ما سنتعرض له في المقال القادم.

كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *