اخبار عمان

صحافة القطيع | جريدة الرؤية العمانية

 

 

د. سعيد بن سليمان العيسائي *

طلب من كل دارس منا أن يعد تقريرًا عن صحيفة معينة، أو محطة إخبارية مشهورة كـ(C.NN – B.B.C)، خلال مرحلة من مراحل دراستي واسترعى انتباهي نوع من أنواع الصحافة يطلق عليه (صحافة القطيع Pack journalism).

وكنت لم أسمع عن صحافة القطيع، أو لربما مرتْ علي مرور الكرام فى مقرر الصحافة، ولم أعرها أي اهتمام.

ومنذ ذلك الحين وأنا أفكر فى هذا المصطلح، فقررت الكتابة عنه، وعن الصحافة والإعلام بشكل عام في مقال مختصر محدد.

وقبل التطرق إلى مصطلح “صحافة القطيع” أود أن أشير هنا إلى أن الصحافة يطلق عليها “السلطة الرابعة” ، لأنها تأتي في المرتبة الرابعة بعد السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، ويطلق عليها كذلك صاحبة الجلالة، ويقال للصحفي بأنه يعمل في بلاط صاحب الجلالة، وأعتقد أن هذه الألقاب تطلق على الصحافة، والصحفي المحترف المهني الذي يتحرى الصدق والأمانة والدقة والموضوعية والحيادية، ويشعر بعظم الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقه.

وصحافة القطيع نابعة من مصطلحين هما ثقافة القطيع وسيكولوجية القطيع التي تعني اتباع أغلب الأفراد لما يعرف بثقافة القطيع، وهي القيام بفعل غير منطقي، وغير مبرر لا لسبب إلا لأن جميع من حوله يفعل ذلك، مُطبقين في ذلك مقولة: “معهم معهم عليهم عليهم”.

وفي الصحافة والإعلام، هو الاعتماد على مصدر واحد في نقل الخبر، أو الحدث، أو الاعتماد على مصادر معروفة محددة ذات توجه معروف، أو وجهة نظر معروفة، تعبر عن مواقف مسبقة.

وأعتقد أنها مشتقة أو مستوحاة من سلوك قطيع الماشية؛ بحيث إذا سار أحد أفراد القطيع تبعه البقية.

وأعتقد أن رائد مدرسة صحافة القطيع هو: يوزف غوبلز وزير الدعاية في ألمانيا النازية من عام 1933 م إلى عام 1945م، صاحب مقولة: “اكذب اكذب اكذب حتى يصدقك الناس”، ومقولة: “كلما سمعت كلمة مثقف تحسست زناد مسدس”.

أسهمت مدرسة غوبلز في ظهور ترسانة في العالم العربي من المطبلين والمزمرين، والمرتزقة وأصحاب والأفلام الرخيصة، و(الدمبكشية) كما يطلق عليهم في العراق.

وقد أسهم هذا النوع من الإعلام في إشعال العديد من الحروب، وتدمير العديد من الدول والشعوب على مدى العقود الماضية.

الصحفي هو الذي يؤمن بأن الكلمة أمانة سيسأل عنها المرء يوم القيامة قبل أن يسأل عنها في الدنيا.

الصحفي الحقيقي هو الذي يعيش في قلب الحدث، وينقل الرسالة والخبر بكل دقة ووضوح.

وقد أوضح الدكتور محمود محمد سفر رحمة الله عليه في كتابه: “الإعلام موقف” العديد من القضايا والمسائل المتعلقة بالإعلام الصادق الرشيد، النابع من عقيدة وقيم وأخلاق الأمة الإسلامية.

وقد أسهمت الصحافة الجادة فى مساعدة الدول والشعوب وتبصيرها بالكثير من الأمور والقضايا والجوانب، كما ساعدت بعض الصحف العالمية في كشف العديد من قضايا الفساد.

قضى العديد من الصحفيين والإعلاميين نحبهم في الحروب .أثناء تغطيتهم لبعض النزاعات المسلحة حول العالم، وتعرض بعضهم لإصابات، وما يزال الكثير منهم رهن الاختفاء القسري إلى يومنا هذا.

تحجب الحقيقة في بعض الأحيان عن المسؤول، فتساعد الصحافة في بعض الأحيان على إيصالها له بكل نزاهة وثقة ومصداقية.

وهناك نوع آخر اسمه “الصحافة الصفراء”،

وهي صحافة تنشر الفضائح، وتسعى للإثارة والدعاية إلى جانب أمور أخرى، وسميت بذلك لأن أوراقها الصفراء رخيصة، وأعتقد أنه منها اشتق مصطلح الأقلام الرخيصة.

ويعمل في بعض الصحف العالمية ويكتب فيها العديد من أصحاب الكفاءات والخبرات من ذوي الباع الطويل في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والقانونية والقضائية والثقافية والتربوية، وفي مجالات النفط والغاز والطاقة وغيرها من المجالات، وكثير منهم عملوا في تخصصهم لسنوات طويلة، وتقلد بعضهم مناصب مرموقة في مجال تخصصهم، وبعضهم أساتذة الجامعات الذين لهم الكثير من المؤلفات والأبحاث في مجال تخصصهم، وتستعين بهم العديد من المنظمات والمراكز البحثية العالمية والوطنية، وبعض القنوات الإخبارية المعروفة.

وشكلت قناة الجزيرة نقلة نوعية في تسعينيات القرن الماضي في تاريخ الإعلام العربي، وأصبحت منافسة للقنوات العالمية مثل (BBC CNN) وغيرت من النظرة تجاه تدفق الأخبار والمعلومات الذي كان يرد من الغرب إلى الشرق، وساهمت في إحداث تطور في مجموعة من القنوات والمواقع الإخبارية من حيث مستوى حرية الخطاب وأسلوب طرح القضايا في الوطن العربي. .

كان لدينا العديد من البرامج في الإذاعة والتلفزيون، تناقش العديد من القضايا ذات الصلة باحتياجات المواطن وهمومه كبرنامج (البث المباشر).

لكن هذه البرامج اختفت أو توقفت، وكم نحن بحاجة إلى مثل هذا النوع من البرامج التي تتابعها شريحة كبيرة من أبناء الوطن.

وقد يقول قائل: إن بعض مواقع التواصل الاجتماعي حلت محل هذه البرامج التي تعالج هموم المواطن ومشاكله.

ولكني أقول: إنه ليس كل ما يسمع، أو يقال صحيح، وكثير من هذه المواقع فيها من الغث والسمين ما يحمل المرء على التأكد من صحة ما يقال فيها، وإذا جاز لنا التعبير فإنه يمكننا القول بأن بعض هذه المواقع والقنوات يذكرنا بثقافة القطيع.

 

* كاتب وأكاديمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.