اخبار عمان

طوفان الأقصى والجبهة الشمالية | جريدة الرؤية العمانية

 

حسن أحمد اللواتي

 

منذ بدايات عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر وبدء عمليات القصف الجوي لقطاع غزة اتجهت الأعين في ضمن ما اتجهت إليه نحو شمال فلسطين المحتلة أي جنوب لبنان، فكان التساؤل الأهم في أذهان المحللين والمتابعين والمهتمين هو هل ستنضم المقاومة اللبنانية كأحد أضلاع محور المقاومة في الحرب مع كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس في مواجهة الرد الإسرائيلي؟ ولكي نكون أدق فالسؤال كان عن الدخول في حرب عسكرية مباشرة وتوجيه ضربات موجعة في قلب الكيان المحتل.

هذا السؤال لم يكن مهما فقط للجانب الفلسطينياللبناني، بل كان على طاولة الجانب الآخر، ولذا سرعان ما رأينا تحشيدا غير مسبوق من حاملات طائرات وبوارج وقطع عسكرية مختلفة من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا في رسالة واضحة وصريحة بأن أي تدخل من جانب حزب الله أو إيران سيواجه بردود قاسية جدا للبنان كله وليس فقط المقاومة اللبنانية.

وما زاد من تعقيد الوضع هو الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان منذ سنوات والتي تجعل الدخول في حرب مفتوحة قد يكون لها آثار مدمرة جدا، هذا بالإضافة إلى التجاذبات السياسية الداخلية في لبنان نفسه تجاه سلاح المقاومة ووجودها العسكري في الجنوب اللبناني.

وعندما ظهر أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأول في الثالث من نوفمبر كانت أنظار الملايين من الجهتين مصوبة نحو الشاشات في انتظار ما سيقوله جوابا على هذا السؤال، ولكن الجواب كان بشكل غير مباشر، فالسيد حسن نصر الله أعلن أن حزب الله قد دخل عمليا في الحرب بجانب المقاومة الفلسطينية منذ اليوم التالي لعملية طوفان الأقصى من خلال استهداف مواقع للعدو الإسرائيلي في المناطق المفتوحة والتي هي في مزارع شبعا اللبنانية التي يحتلها العدو، وأن عمق المواجهات وقوتها تخضع لتحليل مستمر للمعطيات الميدانية التي يتم دراستها أولا بأول. ولكن الأهم أن الخط الأحمر كان واضحا وهو عدم سقوط المقاومة الفلسطينية وحركة حماس.

هذا الجواب أنتج شعورا بالإحباط لدى الجمهور العام من المتابعين الذين كانوا ياملون الاندفاع السريع بالقذائف والصواريخ الدقيقة نحو مواقع حساسة من المناطق المحتلة في الكيان الغاصب. ويمكن فهم هذا الشعور لدى الجمهور العام لأنه كان ينظر للمسألة أنها ستكون بسهولة توحد الجبهات في شمال فلسطين المحتلة مع جنوبها في غزة، ولكن المحللين العسكريين والاستراتيجيين كان بإمكانهم رؤية المشاكل العديدة في هذه التوقعات غير المدروسة، ولن ندخل في تلك التفاصيل لأنها بعد مرور ستة أسابيع من الحرب صارت أكثر وضوحا حتى للجمهور العام.

استراتيجية حزب الله أصبحت أكثر وضوحا في الخطاب الثاني لأمينه العام بمناسبة يوم الشهيد، حيث وضع السيد حسن نصر الله قاعدة أن النصر لن يكون على شكل ضربة قاضية للعدو الإسرائيلي وإنما على شكل نقاط، في إشارة منه إلى الدعم الهائل الذي حشد من الغرب للدفاع عن إسرائيل في حالة تدخل أية جهات أخرى بالحرب بشكل مباشر، وأن النصر سيكون بعملية تراكمية تدريجية وفق قواعد اشتباك مدروسة. وبالفعل عند مراجعة البيانات تجد إنجازات تدخل حزب الله في الحرب بعد عملية طوفان الأقصى واضحة جلية ومن ضمنها ما يلي:

  1. تم استقطاب حوالي ثلث القوة العسكرية الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة بعيدا عن غزة، مما خفف العبء عنها في المواجهات التي تجري هناك، وقد أعرب أبو عبيدة المتحدث الرسمي لكتائب عز الدين القسام عن شكره وتثمينه لهذا الأمر.
  2. قصف الحزب 40 موقعا عسكريا إسرائيليا من خلال ما يقارب 300 عملية استهداف و15 تموضعا عسكريا، ودمر قرابة 21 آلية عسكرية و35 منظومة استخباراتية و21 نظاما من أنظمة التشويش، و77 منظومة للاتصالات، و3 مسيرات و47 رادارا و170 كاميرا عسكرية، كانت هذه الأنظمة تعمل على التنصت والتجسس العسكري في دائرة واسعة تشمل لبنان وأجزاء من سوريا، وبتدمير تلك الأنظمة التجسسية بعمليات “فقأ العين” أفقد حزب الله العدو الإسرائيلي قدرات مهمة جدا في الاستخبارات وتجميع المعلومات وخلق له زوايا عمياء في المنطقة. كما تقدر الخسائر البشرية للعدو 354 بين قتيل وجريح.
  3. بعد أن كانت المواجهات الأولى محصورة بالأراضي اللبناية توسع نطاقها لاحقا ليشمل الشمال الفلسطيني حيث تم قصف 5 مستوطنات، مما أدى إلى إخلاء 43 مستوطنة وإجلاء 70 ألف مستوطن منها لأول مرة في تاريخ إسرائيل وتم نقلهم لمناطق أبعد بالجنوب. ويستبعد أن يعود الكثير منهم لتلك المستوطنات لاحقا لأنها تقع في مناطق ساخنة وخطرة وفي متناول يد حزب الله،
  4. استعمل الحزب صواريخ البركان في هذه المواجهات لأول مرة، والتي يصل وزنها نصف طن وتحمل رؤوسا تفجيرية تصل ل200 كيلوغرام بقطر تدميري يصل ل150 مترا، واستعمل حزب الله هذا الصاروخ لضرب مركز قيادة الفرقة 91 في ثكنة برانيت وأدى لتدمير واسع بها. هذا التصعيد في نوعية الصواريخ يعتبر رسالة في أن المواجهات في طريقها للتزايد من ناحية الدقة والشدة. وقبل يوم من دخول الهدنة المؤقتة حيز التنفيذ في غزة نفذت المقاومة ٢٢ عملية في يوم واحد استهدفت فيها قاعدة عين زيتيم قرب صفد على بعد ١٠ كيلومترات من الحدود وكانت ردا على اغتيال خمسة مقاومين لبنانيين في منزل قصفه العدو في بيت ياحون.
  5. قصفت المقاومة مصنعا تابعا لشركة رافاييل للصناعات العسكرية الإسرائيلية في منطقة شلومي ردا على قصف العدو لمصنع الألومنيوم في منطقة الكفور شمال مدينة النبطية. كما استهدفت المقاومة تجمعا للجنود في مستوطنة أفيفيم ردا على استهداف الصحافيين الشهيدين من قناة الميادين فرح عمرو وربيع المعماري.

لا تزال الحرب مستعرة الأوار وإن كنا في وسط فترة الهدنة لتبادل الأسرى وإدخال المعونات الغذائية لقطاع غزة، وستكشف الأيام ومفاجآتها أين ستصل الأمور، لكننا نعلم منذ الآن أنها ستكون في جهة الانتصار لغزة ومحور المقاومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.