اخبار عمان

عُماني.. ليس من مسندم! | جريدة الرؤية العمانية

 

د. خديجة بنت سليمان الشحية

 

بعض المُفردات ظاهرة تمارس بتأثير الجغرافيا وبتأثير الاعتياد والتعود، أمر مكتسب هو تعود وتقليد لما تستنطقه الأسرة بأكملها ويتبعهم فيه الأبناء ومن ثم الأحفاد مما يصعب على من يُلاحظ في أن يلغي تلك العادة التي ظهرت على “تعود” يصعب إزالته بطرفة عين وانتباهتها، وأينما جلست وخالطت يوجه لي سؤال مفاده “لماذا تسمون من هم من خارج المُحافظة؟”.

ومهما بررت وحاولت الإجابة عن ذلك السؤال إلا أنني أقرأ في أعينهم الاستنكار والاستنفار من تلك الكلمات التي ليس من المفترض أن تلفظ حقيقة، وقفت مع تلك المسميات كثيرا، ورجحتها لقلة خروج أهلنا في مسندم لخارج حدود جغرافية مسندم مما ولَّد لديهم تلك التسمية لمن هم من خارج المحافظة فيما يتم تسمية بقية ولاياتها على اسم الولاية من بخاء من دبا من مدحاء ومن ليماء وكمزار، ومن هم من الدول المجاورة أيضًا يخصونهم بمناطقهم، إلا الذين يأتون من محافظات السلطنة كلهم مشمولين بذات التسمية؛ سواء من مُحافظات الباطنة أو الشرقية أو الداخلية أو الوسطى أو حتى ظفار كلهم تحت نفس المسمى “عمانيون”. ووددت الكتابة عن هذا الموضوع عندما كنت أنشر مقالاتي في عمود أسبوعي بجريدة عُمان في السنوات الماضية ولكن شيئا ما منعني، لا أعلم ما ذلك الشيء، ولكني تراجعت عن كتابته، هل خوفاً من ردة فعل جماعتي كونهم سيعتبرون ذلك انتقادا ضدهم؟ وحاشاني أن أنتقدهم وهم أهلي وعزوتي، أم لعدم إثارة بلبلة أنا في غنى عنها في ذلك الوقت؟ المهم أنني قررت أن أكتب عنها في مقالي هذا رغبة في تسليط الضوء عليها والسعي لاستبدالها بما هو أفضل لأهلنا وإخوتنا في المحافظات الأخرى، فهم وإن كانوا من خارج المحافظة فهم أهلنا أيضاً ولا يجب أن نميز أنفسنا عنهم وننعتهم بغير ذلك، بما هو لائق ويحفظ بيننا وبين إخوتنا في باقي المحافظات الود وعدم التنفير.

أما ما لا يختلف عليه اثنان أن محافظة مسندم منفصلة عن باقي المحافظات جغرافيا وتختلف عنها في كثير من الأشياء، تفاصيل الاحتفال بالأعياد والزي. و… إلخ، بعدها الجغرافي شكل منها ظاهرة خاصة وبيئة مختلفة، حتى وإن كانت في الأصل عمانية الهوية والمنشأ.

تلك المقدمة ليست هي صلب الموضوع ولكنها فقط تمهيد لأبدأ ما أود قوله.. اعتاد الأهالي في محافظة مسندم وقد أكون أنا واحدة منهم (قبل أن آتي للدراسة والعمل في محافظة مسقط) أن القادمين لمسندم من خارج المحافظة عُمانيون ومن في مسندم كل من كان في ولايته يسمونه من الولاية.. وكفى!!! لم أكن أشعر بفداحة وعظم ذلك التعود لأننا عمانيون جميعًا ومن ينكر ذلك؟ لا أحد!! لكنني قلت في نفسي ذلك سيُؤثر على المدى البعيد ونحتاج إلى التغيير الفعلي لذلك حتى وإن كان تغييرا طفيفا نبعد من خلاله ذلك المسمى المنتشر في المحافظة على الأقل، وعودت لساني على قول غير ذلك أمام أسرتي بأن لا ينعتوا الآخرين بتلك التسمية. ونذكر قبيلة القادم للمحافظة أو من الولاية القادم منها، وبدأت باستنكاره فعلا أمامهم، وتحسين ألفاظ كلامي أمام إخوتي وأهلي. وعلى الرغم من أنَّ لي أختين متزوجات من شمال وجنوب الباطنة، إلا أن البعض يردد بأنهن متزوجات من عُمانيين، وعندما كنت أعلق على بعض الجارات بأننا جميعًا عمانيون ليس فقط أزواج أخواتي… كانت تجيب إحداهن: “إحنا من خصب.. شحوح”، طيب؛ شحوح لكن جنسيتهم عُمانية.

كان شرح الموضوع يتطلب مني الكثير من الجهد وكثيرا من الإقناع والكثير الكثير من المجاحد، فلقد اعتادت الألسن على تسمية من هم خارج مسندم بالعُمانيين، تعود يجب أن يُتراجع عنه، نعم يجب أن نتخلى عنه جميعنا، والتركيز القادم يجب أن ينصب على فئة المُتعلمين من أبناء مسندم لأنه معول عليهم تغيير ذلك الفكر والتوجه من خلال زيادة الوعي وتغيير تلك الأفكار والتوجهات التي هي ليست لصالح هويتنا ولا تخدم ثقافة الفكر العُماني الموحد. والمرحلة القادمة هي تحت مسؤولية من يمتهنون مهنة التدريس في المدارس الحكومية والخاصة وحتى رياض الأطفال وجمعيات المرأة العمانية ووزارة التنمية الاجتماعية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني في توعيتهم وإرشادهم من خلال المحاضرات والندوات والملتقيات الخاصة بأبناء المحافظة لمحاولة تصحيح تلك الممارسات من أجل ترسيخ الهوية العمانية في أبناء المحافظة، فكلنا عمانيون وعمان لنا.

قد يعتبرها البعض ليست بذلك التأثير القوي لطمس الهوية العمانية والتأثير المباشر، ولا ضير أن تلفظوا ببعض التسميات بينما هي مُغالطات وتفسيخ أفرع من أصول وجذور، ومحاولة للقضاء على بعض اللغط الحاصل والذي أجده شخصيًا ليس صحيحاً مما يستوجب التصحيح، وأنها قد تتلاشى في كل الأحوال. كيف ستتلاشى إذا كانت تتوارث جيلا بعد آخر؟ ونستمع إليها من صغار أبنائنا في مسندم؟ لا أظنها سوف تُطمر وهي تتردد جدًا ومزاحًا حتى بتُ أنا شخصياً استنكرها على نفسي والآخرين. والشيء بالشيء يذكر عندما كنت أتكلم “اللهجة المسندمية” عند قدومي للدراسة في محافظة مسقط واجهت الكثير من التعليقات والسخرية، فمن كنت بينهم لم يكونوا على دراية وآذانهم لم تكن قد التقطت تلك المفردات الخاصة بنا في مسندم وحين وجهوا لي السؤال أي لهجة تلك؟ قلت لهم لهجة أهل مسندم، فاستنكرت ذلك لتجيب: لا يوجد لدينا في عُمان أحد يتكلم بهذه اللهجة؟ وكأنها انكرتني بأن أكون عُمانية. ورغم مرور 14 عاما على ذلك الحديث والذي كان مجرد دردشة عابرة بيني وبين زميلات الدراسة، إلا أنني لم أنس ذلك الموقف مما جعله حاضرا بذاكرتي رغم مرور كل تلك السنوات.

اختلاف اللهجات ليس حكرًا على محافظتي؛ بل هو منتشر في جميع محافظات السلطنة؛ إذ إن تنوع اللهجات يُعد ثراءً معرفيًا وحصيلة لغوية تتفرد بها عماننا الحبيبة، وهذا ليس ببعيد عما يحدث الآن عندما ننعت من هم من خارج المحافظة بالعُمانيين، كأننا نفسخ عنا الهوية العمانية والانتماء لهذا الوطن بمحض إرادتنا حتى وإن كان لفظيًا، على الرغم من وجود الحب والولاء والانتماء للوطن والسلطان من أبناء محافظة مسندم.

إنَّ تغيير تلك السلوكيات غير المرغوبة أبدًا يتطلب تعاوناً وتكاتف الجميع لتعديل بعض الألفاظ المتداولة، ويجب أن يسعى جميعنا لإلغائها بين أنفسنا وأهلنا أولًا، وفي بيئاتنا وخارج حدود المحافظة والمنطقة الحدودية ثانيًا، حفاظًا على لحمتنا الوطنية وهويتنا العمانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *