اخبار عمان

“كَشْف السِّتَار عن حَالة ظفَار” للشيخ عيسى الطائي قاضي قضاة مسقط (5)

 

 

تحقيق: ناصر أبوعون

 

قال الشيخ القاضي الأجَلُّ عيسى بن صالح بن عامر الطائيّ في مُفتتح مخطوطةِ “كشف السِّتار عن حالة ظَفار”: [(بسم الله الرحمن الرحيم، الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الأَسْفَار* نُزْهَةً لِذَوِي الأَبْصَار* وجَعَلَ فِيْها عَظِيمَ الذِّكْرَى والاعْتِبَار* وأَمَرَ الإنسانَ بالسَّعِي فِي مَنَاكِبِ هَذِهِ الأَرْضِ وأَنْ يَكْدَحَ لِنَفْسِهِ فِيْهَا كَدْحًا لِيَنَالَ بِمَاضِي عَزْمِهِ مَقْصِدًا ونُجْحًا* لِكَي يَقِفَ عَلَى آثَارِ الأُمَمِ البَائِدَة* وَالْمُلُوكِ السَّائِدَة* قَالَ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}* والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ المَبْعُوثِ مِنْ أَشْرَفِ أَرُومَةٍ وأَزْكَى نِجَار* وعَلَى آلِهِ الأَطْهَار، وصَحَابَتَهِ الأَبْرَار)].

افتتاح تدوين الرحلة بالبسملة

في مطلع المخطوطة افتتح الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائيّ تصنيفه “كَشْفِ السِّتار عن حالة ظَفار” بـ(البسملة) الكاملة التامّة فقال: [(بسم الله الرحمن الرحيم)] جهرًا ولفظًا وكتابةً اقتداءً بما عليه (الإباضيّة) و(الشافعيّة)، ومتابعةً لنهج الكثرة الغالبة من الصحابة والتَّابعين، ومن بعدهم معظم الفقهاء والقراء، والعلماء مُسْتَحِثًّا جمهور المؤمنين على الاستفتاح بالبسملة في سائر شؤون حياتهم؛ حيث “الافتتاح بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) فيه تعليم للناس بأن يفتتحوا أعمالهم ببسم الله، وهذا يعني أن تكون أفعالهم في حدود شرع الله لا تتجاوزه فتبقى دائرةً في حدود الواجب والمَندوب والمُباح، كما أن في ذلك تعليمًا للناس بأن أعمالهم كلَّها لا زِنَةَ لها في كِفَّةِ الدِّين ما لم يُقْصَد بها وجه الله سبحانه. والعبد عندما يفتتح أيَّ عملٍ بـ(اسم الله) يشعر أن عمله محكوم بشرع الله؛ فليس له أن يتصرَّف كما يُمْلي عليه هواه”([[1]])

التثنية بالحمد بعد البسملة

أمّا قول الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائيّ: [(الحَمْدُ للهِ)]؛ فهو تقليدٌ متبعٌ في خُطْبةِ الكُتب والتَّصانيف العربيّة والإسلاميّة منذ انبلاج فجر عصر التدوين بعد نشوء الدولة النبويّة في المدينة. وفي التّثنيةِ بـ(الحَمْدُ) صِيغة قرآنيّة وجملة اسمية ودعاءٌ وإفصاحٌ من الشيخ القاضي عن شكره لله والثناء عليه والإقرار له بالفضل على نعمه، وهي من أعظم التوسلات والقُربات، ودَلَّ عليها قول جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ – رَضِيَ الله عنه : “سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ (الحَمْدُ لِلَّهِ)([[2]])، وجاء في إعراب القرآن لمحيي الدين درويش؛ أنَّ:”جملة (الحمد لله) خبر؛ لكنها استُعْمِلت لإنشاء (الحمد) والاسميّة فيها تفيد ديمومة الحمد واستمراره وثباته، وفي قوله: (لله) اختصاصٌ للدلالة على أن جميعَ المَحَامدِ مُخْتَصَة به”.وتقديم المخصوص بالحمد على الفعل من وجوه الاختصاص المأثورة عند العرب الأقحاح، وشاهده قول: سلمى بنت حريث النّضريّة: “(فاللهَ أَحْمَدُ)؛ إِذْ لَاقَى مَنِيَّتَهُ*أَبُو الْهُزَيْلِ كَرِيْمَ الخِيْمِ والخَبَرِ”([[3]]).

جمع بين السَّفَر والنُّزهة

وفي قول الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائيّ: [(الَّذِي جَعَلَ الأَسْفَار* نُزْهَةً لِذَوِي الأَبْصَار)]؛ تِبيانٌ للغرض الجوهريّ من الرحلة إلى ولاية (ظَفار) حيث لم تكن سَعيًا وهجرةً وأخذًا بالأسباب في تحصيل المعايش والأرزاق فحَسْبُ، وإنّما سياحة ونزهة وتكليفٌ بمصاحبة السلطان السيد تيمور بن فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيديّ (1886م 1965م) في إحدى سفراته السّنوية وبمعيّة الخاصة السُلطانيّة، ضمن وَفْدٍ من كِبار رجالات دولة عُمان ومسقط ومستشاريه وخاصته.

و(الأَسفار) جمعٌ واحدُها (سَفَر)، ومقصودها التَّرحُّل والانتقال من مكان إلى آخر، ورصد علم الإحصاء القرآنيّ ثمانية مواضع، وردت فيهم بلفظها ومعناها، ومن شواهدها الشعريّة في ديوان تأبَّط شرًّا:”فقُلْتُ لَهَا: كِلَانَا نِضْوُ أَرْضٍ*أَخُو (سَفَرٍ) فَخَلِّي مَكَانِي”([[4]]) غير أنّ معنى (الأسفار) ورد في موضع آخر من القرآن الكريم مشارًا إليه بكلمة (الضَّرْب) في الأرض والتي مقصودها السَّفر والسَّعي؛ وشاهده قوله تعالى: {وَإِذَا (ضَرَبْتُمْ) فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱلْكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا}([[5]]).

أمّا قول الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائيّ [(نُزْهَةً لذوي الأبصار)] التي جمعها: (نُزَهٌ)، وجذرها:(ن ز هـ)، والاسْمُ مشتق مِنَ (التَّنَزُّهِ)، ومأثور القول فيها: “خَرَجَ إِلَى (النُّزْهَةِ)“. وبالبحث عن معناها في مخطوط “كَشْف السِّتار عن حَالَة ظَفَار” وجدنا الشيخ عيسى الطائيّ قد قصد بها الدلالة على معنيين اثنين؛ أمَّا المعنى الأول فمقصوده الخروجُ لِلتَّفَسُّحِ وَالرَّاحَةِ فِي الطَّبِيعَةِ وأماكن الخُضرة والبساتين ونحوها، وفيه إشارة لما تتمتع به ولاية ظَفار من طقس ربيعيّ وجوٍّ معتدل في موسم الخريف؛ وشاهد هذا المعنى ورد في المأثور عن عبد الحميد الكاتب: “ثُمَّ غَدَونَا، يَا أَمِيْرَ المُؤمِنين، إِلَى أَرْضٍ وُصِفَ لَنَا صَيْدُهَا بِالكَثْرَةِ، ورِيَاضُهَا بِـ(النَّزِهَةِ).. فَأَتَيْنَا فَلَمْ نَرَ صَيْدًا وَلا عُشْبًا، وَلا (نُزْهَةً)، ولا حُسْنًا”([[6]])، وأمّا المعنى الآخر الذي قصده الطائيّ فمُرادُه المكان البعيد عن الدور ونحوها، حيث المسافة بينها وبين مسقط تقارب الألف كيلو مترا. والشاهد في هذا المعنى قول سعيد بن العاص الأُمويّ القُرَشِيُّ:”إنَّ مَنْزِلِي هذَا لَيسَ مِنْ العُقَدِ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلُ (نُزْهَةٍ)، فَبِعْهُ مِنْ مُعُاوِيَةَ”([[7]])

الفرق بين الأبصار والأنظار

وقد لاحظنا انتخاب الشيخ القاضي الأجل عيسى الطائيّ للفظة (الأبصار) بديلا عن مفردة (الأنظار)، وهذا الانتخاب هو دالٌّ على عمق معرفته بفنون اللغة، وشمول رؤيته وعلو هِمّته؛ وقد جاء بها في موضعها من الجملة للإيحاء بالغاية المتحصّلة من رحلته، ودعوة للمطالعين لرحلته بالتمثّل به  في أخذ العبرة، وتقليب الفكرة حول كل ما هو مرئيٌّ في (ظَفار) والتَّدبُّر في أحوالها، والتَّأمل في طقسها ومناخها، وإعمال العقل في آثارها ومطالعة تراثها؛ بينما مفردة (الأنظار) ضيّقة في معناها، ومقصورة على الإحساس والمشاهدة والمعاينة واخبار عمان الفسيولوجية في مبتغاها. أمّا التعبير بـ(الأبصار) فأعمّ وأشمل، وهو مرصود إحصائيًّا في القرآن الكريم في 148 موضعًا على اختلاف وتباين مشتقاته، وقد وظَّفه الشيخ القاضي الأجلّ في مطلع مخطوطه، وانتقل به من اخبار عمان إلى الفكرة، ومن الإحساس إلى الإدراك، ومن المُعاينة إلى الإحاطة والتدبّر. ومعنى (الأبصار) أجاد في تبيانه وشرح مقصده شيخُ اللغويين فاضل السامرائي بقوله: “معنى (الأبصار) ممتد إلى ما بعد المشاهدة بالعين ليشمل التَّدبّر والتَّفكَّر والتَّأمّل الذي يؤدي إلى الاقتناع بما هو حق”.

وبناءً على ما تَقَدّم فإنّ الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائيّ انتقى بعناية لفظة (الأبصار)، وأهمل مفردة (الأنظار)؛ ليجمع بين جُنْحَين للمعنى؛ جُنْح اخبار عمان العَينيّة الذي تَحَقَّقَ بالمشاهدة، وجُنْح اخبار عمان القلبيّة الذي تَحَصّلَ بالإدراك في إهابٍ واحدٍ جامعٍ شاملٍ مانعٍ؛ فـ”(الإِبْصَارُ) معناه نَفَاذُ العَقْلِ والقَلْبِ فِي إِدْرَاكِ حَقَائِقِ الأُمُورِ” ودَلَّ عليه قولُ ابْنُ السِّكِّيتِ (186هـ 244هـ /802 858 م): “(إِبْصَارُكَ) الهُدَى يُقَوِّيْكَ عَلَى طَرِيْقِكَ”([[8]])؛ حتى إذا ما تنقَّل شيخنا الطائيّ ما بين وديان (ظَفار)، وساح في أفيائها، سَجَّلَ بعدسةِ (إبصاره العينيّة) كلَّ أثَرٍ مرئيٍّ باقٍ، وشاهد كلّ طللٍ دارسٍ هناك، وعاين كل مَعْلمٍ ماديّ محسوس. وهذا النوع من (الإبصار) التأملّيّ التوثيقيّ أشار إليه حميد بن ثور الهلاليّ في بيتٍ شعريّ له قال فيه: “لا (أُبْصِرُ) الشَّخْصَ إِلا أَنْ أُقَارِبَه*مُعْشَوشِبًا بَصَرِي مِنْ بَعْدِ (إِبْصَارِي)([[9]])، ثُمَّ ضمّ شيخنا الطائيّ إلى رؤيته الحسيّة العينيّة إِبصَارَه العقليَّ في تمام يقظته وإدراكه وتدبّره؛ وشاهده الشعريّ نعثر عليه في قول الأعشى الكبير مادحًا:”مَعِي مَنْ كَفَانِي غَلاءَ السِّبا*وسَمْعَ القلوبِ و(إبصارِها)([[10]]).

معاني ومقاصد (الاعتبار)

قال الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائيّ:[(وجَعَلَ فِيْها عَظِيمَ الذِّكْرَى والاعْتِبَار)]. ومعنى “(الاعتبار)؛ في اللغة رَدُّ الشيء إلى نظيره؛ بأنْ يَحْكُمَ عليه بِحُكْمه، ومنه سُميَ الأصلُ الذي تُرَدُّ إليهِ النظائرُ (عِبْرَةً)؛ وهو يشتمل على (الاتِّعَاظِ والقياس العقليّ والشَّرعيّ، وهو على ثلاثة وجوه: (الاعتبار عند المحدثين)، و(الاعتبار عند الأصوليين)، و(الأمر اللاعتيادي) ([[11]])، وإذا ما طالعنا (معجم الدوحة التَّاريخيّ للغة العربية) رصدنا عِدَّة مَعَانٍ لمفردةِ (الاعتبار)؛ منها: (استخلاص الحكم العام من استقراء أحوال خاصة متشابهة)، و(استنباط المطلوب المجهول من دليل معلوم)، و(إدخال الأمر في الحكم على وجه من الوجوه)، و(اعتبار القول بالقول، أي تنزيله ليقع فهمه عليه)، و(أخذ العبرة والموعظة)، و(النظر في الأمر والتَّأمُّل فيه)، و(الاعتبار بالشيء أي: الاعتداد به)، و(معرفة الحق بالدلالات القاطعة).

وإذا ما عدنا لمُفردةِ (الاعتبار) في مخطوط “كَشْف السِّتَار عن حَالةِ ظَفَار” للشيخ القاضي الأجل عيسى الطائي وجدنا دلالاتها توزّعت على أربعة معانٍ: أمّا المعنى الأول؛ فهو (أخذ العبرة والموعظة من السفر)؛ ومنه قول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه : “وقَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ أَمْرٍ بَابًا، وبَشَّرَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحًا؛ فَبَابُ العَدْلِ (الاعْتِبَارُ)، ومِفْتَاحُه الزُّهْدُ، و(الاعتبارُ) ذِكْرُ المَوتِ بِتَذَكُّرِ الأَمْوَات”([[12]])، وأمّا المعنى الثاني؛ فهو (النظر في الأمر والتأمّل فيه)؛ ومنه قول الأفوه الأوديّ: “إِنْ تَرَي رَأْسِي فِيْهِ قَزْعٌ*وشَوَاتِي خَلَّةٌ فِيْهَا دَوَارُ/أَصْبَحَتْ مِنْ بَعْدِ لَوْنٍ وَاحِدٍ*وهِي لَوْنَانِ وفِي ذَاكَ (اعْتِبَارُ)([[13]])، أمّا المعنى الثالث في (الاعتبار) عند الطائيّ فمقصوده (التدبُّر والتفكُّر)، وشاهده قول الشاعر:”أَلا فِي الأولِ المَاضي (اعْتِبَارُ)*لِذِي عَقْلٍ أَخِي فَهْمٍ بَصِيْرِ”([[14]])، أمَّا المعنى الأخير الذي وافق مقصود الشيخ الطائيّ من مفردة (الاعتبار)؛ فهو “الاعتبار بالسفر؛ أي: الاعتداد به” والتأكيد عليه في تحصيل المعرفة؛ ومنه قول الشاعر: “فَاسألُوا عَنَّا الرَّدَى ثُمَّ الظُّبَا*يَوْمَ قَحْطَانُ ضِبَاعٌ لا تُجَارُ/ إذْ قَتَلْنَا بِالحِمَى سَادَتِكُم*وأَجَرْنَاكُمْ وفِي ذَاكَ (اعٍتِبَارُ)([[15]]).

توظيف التَّناص القرآنيّ

قال الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائيّ: [(وأَمَرَ الإنسانَ بالسَّعِي فِي مَنَاكِبِ هَذِهِ الأَرْضِ وأَنْ يَكْدَحَ لِنَفْسِهِ فِيْهَا كَدْحًا لِيَنَالَ بِمَاضِي عَزْمِهِ مَقْصِدًا ونُجْحًا)].

هذه الفقرة تتوفّر على مقطعين من التَّناصّ، في إطار ما يُسمى بـ”التَنَاصٌّ الشَكْليٌّ الجُزئيٌّ”؛ فأمّا المقطع الأول ففيه تَنَاصٌّ مع الآية (15) من سورة المُلك، في قول الله – عَزَّ و جَلَّ : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِۦ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ}، وقد فصَّل العلماء القول في تفسير الـ(مناكب)؛” فقال ابن عباس وقتادة: (في جِبَالها)، وقال الضَّحَاك:(في آكَامِها)، وقال مُجاهد:(في طُرُقِها وفِجَاجِها)، وقال الحَسَن:(في سُبُلِها)، وقال الكَلبيّ:(في أَطْرَافِها)، وقال مُقاتل: (في نَوَاحيها)، وقال الفَرَّاءُ:(في جَوانبِها). والأصل في كلمة (الجَانِب)، ومنه (مَنْكَب الرَّجُل) و(الرِّيحُ النَّكباء) و(تَنَكَّبَ فلان) [أي جَانَبَ]([[16]])، “والمَنَاكِبُ منَ الرِّيَاح: مَا يَهِبُّ مُنْحَرِفًا بينَ رِيحين فيشتدُّ ضَررُه”، وشاهدها الشعريّ في قول الطِّرِمّاحُ بنُ عَدِيٍّ الطائيّ يصف رياحًا أثارت حنينَه: “هَاجَتْ نَزَاعَا سَهْوًا(مُنَاكِبَةً)*مِنْ فَجِّ نَجْرَانَ تَغْتَلِي بُرُدُهْ”([[17]])، وأمّا المقطع الثاني من الفقرة فالتناصٌّ فيه مأخوذ من الآية السادسة من سورة الانشقاق في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}؛ وجاء في (التفسير الوسيط) أنّ أصل (الكدح) في كلام العرب: السعى في سبيل الحصول على الشيء بجد واجتهاد وعناء، وهو مأخوذ من (كدح فلان جلده)، إذا خدشه، وفي معناه قال الشاعر: “وما الدهر إلا تارتان فمنهما*أموت، وأخرى أبتغى العيش (أكدح)” وقول الآخر:”ومضت بشاشة كل عيش صالح*وبقيت (أكدح) للحياة وأنصب” أَيْ: وبقيت أسعى سعيا حثيثا للحياة، وأتعب من أجل الحصول على مطالبي فيها. والضمير في قوله تعالى: (فَمُلاقِيهِ) عائد إلى (الله) تبارك وتعالى، ويَصِحُّ أن يعود إلى (الكدح)، بمعنى: ملاق جزاء هذا (الكدح). والمعنى العام: يا أيها الإنسان إنك باذل في حياتك جهدا كبيرا من أجل مطالب نفسك”. ومن الملاحظ أنّ هذا التَّناصّ القرآنيّ مَبْنِيٌّ من مجموعة “تراكيب غير مكتملة، ومُقْتَطعة من نصٍّ غائب قائم على اقتباس بعض المفردات”([[18]]).

أمّا قول الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائيّ: [لِيَنَالَ بِمَاضِي عَزْمِهِ مَقْصِدًا ونُجْحًا)]؛ فهو نتيجة (الكدح والسعي)، والفعل (ينال) مُتعدٍ ينصب مفعولا واحدًا. ومن معانيه: أدركه وحازه. والنَّيل: (الإصابة). ويقال (ناله). أي أصابه ووصل إليه. ويُقال أيضا بمعنى أحرز، فإن فيه معنى الإصابة([[19]]) ومن شواهده القرآنية برواية حفص عن عاصم: في قَوْلِهِ تعالى: {لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ}([[20]])، أمَّا شاهده الشّعريّ فنقرأه في بيتٍ منسوب إلى عمرو بن عَديّ اللّخميّ الذي قال فيه: “فَمَا شَرِبَ الشَّرَابَ كَمِثْلِ عَمْرٍو*ومَا (نَالَ) المَكَارِمَ فَاصْبِحِيْنَا”([[21]]) وأمّا قول الشيخ الطائيّ[(مَقْصِدًا ونُجْحًا)] فهو تعبيرٌ إشاريٌّ وبديعيّ فيه (إجمالٌ) يتبعُه (تفصيل) مقصود به: الظفر والفوز بالمراد، ومنه قول عَديّ بن يزيد العِباديّ يشكو حَالَه سجينًا: “فَعُدْتُ كَذَا (نُجْحٍ) يُرَجَّى نُصُورُهُ*يَبِينُ فَلَا يَبْعُدْ كَذِيْ الخَلَقِ البَالي”([[22]])

توظيف التوجيه القرآنيّ

قال الشيخ القاضي الأجلّ عيسى الطائيّ: [(لِكَي يَقِفَ عَلَى آثَارِ الأُمَمِ البَائِدَة* وَالْمُلُوكِ السَّائِدَة* قَالَ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}]، بدأه بـ(كَيْ) وهو حرفٌ مصدريّ ونصب مبنيٌّ على السكون، وألحق به (اللام الخافضة)؛ وهو حرف تعليل وجر مبني على الكسر؛ فصار (لِكَيْ)، وإثباتها في هذا الموضع جاء تعليلا للإجمال بعد التفصيل وإفادة الاستقبال لما بعده، ومقامها للدلالة على أنّ الغاية الكبرى من السفر في التشريع الإسلاميّ؛ هي التفكّر والاستبصار في أخبار الأمم السابقة وتحصيل العبرة والموعظة، وجمع العلم من الصحائف والصدور، وهدفه الأسمى؛ السعي على الأرزاق والمعايش.

وأما قول الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائي: [(يَقِفَ عَلَى آثَارِ الأُمَمِ البَائِدَة، والملوك السائدة)]؛ فهو إجمالٌ بعد تفصيل، ووافق مقصوده بـ(آثار الأمم والملوك) أربعة معانٍ لاغير؛ أمّا الأول: فمعناه: (ما تبقّى من رسومِ الدِّيارِ ونحوها)، وشاهده في ديوان الإيادِيّ”أَمِنْ رَسْمٍ يُعَفَّى، أَوْ رَمَادِ*وَسَفْعٍ كَالْحَمَامَاتِ الفِرَادِ/وَ(آثَارٍ) يَلُحْنَ عَلَى رَكْيٍ*بِنَعْفِ مُلَيْحَةٍ، فَالْمُسْتَرَادِ؟”([[23]])، وأمَّا المعنى الثاني، فهو:(البِناءُ الذي طالَ بقاؤُه)، وشَاهِدُهُ في رواية وهب بن مُنبِّه الصَّنْعانيّ:”ثُمَّ جَازَ إِلى الشَّامِ، وَبَلَغَ المَغْرِبَ، فَأَكْثَرَ (الآثَارَ) فِي المَغْرِبِ حتَّى بَلَغَ البَحْرَ المُحِيْطَ، يَبْنِي المُدَنَ ويَتَخِذُ المَصَانِعَ”([[24]])، وأمّا المعنى الثالث فمقصوده: (الخبر)، وشاهده أيضًا في رواية (وهب بن منبِّه)، الذي يقول فيه: (أَدْرَكْنَا الحُكَمَاءَ وَالمُعَمِّرين، وأَهْلَ (الآثَارِ) بِالْعِلْمِ الأوَّلِ، مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، يَذْكُرونَ غُرْبَةَ الحَارِثَ بْنُ مُضَاضٍ الجُرْهُمِيّ”([[25]])، وأمَّا المعنى الرابع والأخير فالمرادُ به: (الصِّيتُ والذِّكْرُ الحَسَنُ)؛ ومن شواهده قول عَديّ بن زيدٍ العِباديّ:”غَيْرُ العَنِيْفِ بِمَا أَدَّتْ نَقِيْبَتُه*يَبْنِي لِمَنْ بَعْدَهُ نُعْمَى وَ(آثَارَا)([[26]]).

ثم عقَّبَ الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائيّ بالمقطع الأول من الآية القرآنيّة {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}؛ تعليلا لما فصَّل فيه أولا، وتأكيدًا على الحكمة والغاية المرادة من السفر، وقد ورد هذا المقطع بلفظه ونسقه على ترتيب سور المصحف في مواضع ثلاثة من القرآن؛ أولها في سورة الروم (الآية 9)، والموضع الثاني في سورة فاطر(الآية 44)، والموضع الثالث في سورة غافر (الآية21)، بينما نقرأه في موضع رابع استبدل الله فيه قوله:(أَوَلَمْ) بقوله: (أَفَلَمْ) في (الآية 10) من سورة محمد، في قوله تعالى {أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ}. والاستفهام في جُلّ الآيات الأربع للتقريع والتوبيخ لعدم تفكّرهم في الآثار وتأمّلهم لمواقع الاعتبار، والفاء في: {فَيَنظُرُواْ} للعطف على {يسيروا} داخل تحت ما تضمنه الاستفهام من التقريع والتوبيخ، والمعنى: أنهم قد ساروا وشاهدوا {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}([[27]]).

وختم الشيخ القاضي الأجَلّ عيسى الطائيّ خطبة مخطوط “كَشْف السِّتار عن حالة ظَفَار” بالصلاة على النبي المختار بقوله:[(والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ المَبْعُوثِ مِنْ أَشْرَفِ أَرْوِمَةٍ وأَزْكَى نجار* وعَلَى آلِهِ الأَطْهَار، وصَحَابَتَهِ الأَبْرَار)]. موظّفًّا (السجع) و(الازدواج) بما يُحْدِثَاه من تأثير بديعيّ في الآذان الواعية، وما يَستحِثاه من طاقة رُوحيّة في النفوس القارئة، وفَصَّلَ القول على ثلاثة وجوه؛ أمّا الوجه الأول فأشار فيه إلى النسب النبويّ الشريف بقوله: [(أَشْرَفِ أَرُومَةٍ وأَزْكَى نِجَار)]؛ و(أرومة الإنسان) أصله، ودلّ عليه قول النبيّ الأكرم عن نسبه: “إنَّ اللَّهَ اصطَفى من ولدِ إبراهيمَ بني إسماعيلَ واصطفى كنانةَ من بني إسماعيلَ واصطفى قُريشًا من كنانةَ واصطفى بني هاشمٍ من قريشٍ واصطفاني من بني هاشمٍ “([[28]])، والشاهد الشعريّ على كلمة (أَرُومَة) نقرأه في بيت للشاعر العُمانيّ ربخة بن حارث الأزديّ:”فنَحْنُ وَأَنْتُمْ مِنْ (أَرُومَةِ) مَالِكٍ*مِنَ النَّبْعِ لا مِنْ جَزْعَةٍ وثُمَامِ”([[29]])، أمّا قول الشيخ الطائيّ:(أزكى نِجَار)؛فقد استعملها لِموافقتها قول النبيّ الأعظم في حديث (الاصطفاء) الإلهيّ معنىً ومبنىً على ثلاث صور؛ أمّا الصورة الأولى من (النِّجار) فدَالةٌ عَلَى (الأصلِ والحَسب) النّبوِيّ الشريف، وشاهِدُها في قول (ابن ماء السَّماء اللّخميّ): “يا عَامُ، وإنّكَ لَتَخَالُ هُضَيْبَات أَجَأَ ذَاتَ الوِبَار، وأَفْنِيَاتِ سَلْمَى ذَاتَ الأَغْفَار، مَانِعَاتُكَ مِنَ المَجْرِ الجَرَّارِ.. وَكُلَّ مَاضِي الغِرَارِ بِيَدِ كُلِّ مِسْعَرٍ كَرِيْمِ (النِّجَارِ)([[30]])، وأَمَّا الصورة الثانية فدالة على الوصف الجسديّ (الشكل والهيئة) للنبيّ الأكرم، كما ورد في حديث أنس رضي الله عنه “كان رَبْعَة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير”؛ وشاهدها من شعر القَتَّال الكِلابيّ: “أَنَا ابْنُ المَضْرَحِيّ أَبِي شُلَيْل*وَهَلْ يَخْفَى عَلَى النَّاسِ النَّهَارُ/عَلَينَا سِبْرُهُ وَلِكُلِّ فَحْلٍ عَلَى أَوْلَادِه مِنْه (نِجَار)([[31]])، أمّا الصورة الثالثة فدالةٌ على (اللون)، وقد كان لون النبي –صلى الله عليه وسلم: كما جاء أيضا في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه “أَزْهَر اللون ليس بأبيض أَمْهَق ولا آدَم([[32]]) ونقرأ من شواهده الشعريّة قول ابن مقبل العَجْلانِيّ التَّميميّ:”مُقَلَّدٌ قُضُبَ الرَّيْحَانِ، ذُو جُدَدٍ*في جَوْزِهِ مِنْ (نِجَارِ) الأَدْمِ تَوْسِيمُ”([[33]]).

….

المراجع والمصادر:

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *