اخبار عمان

ندوة “الإلحاد وحقيقة التوحيد” | جريدة الرؤية العمانية

 

محمد بن سعيد الرزيقي

كم هي الأفكار التي تتلقاها عقول الشباب المسلم في اليوم والليلة، وكم هي المناهج المبثوثة في فضاء هذا العالم اللامتناهي، التي تبثها قنوات ووسائط شبكة الإنترنت المفتوحة أبوابها على مصراعيها، ووسائل التواصل الاجتماعي بكافة أنواعها، ولعل من أبرز ما يواجه البشرية اليوم على وجه العموم، والأمة الإسلامية على وجه الخصوص الأزمة الفكرية، وأزمة البعض تجاه الدين، والأسئلة حول: من خالق هذا الكون والموجودات فيه؟ التي افتعلها الملحدون، وروج لها تلامذتهم، وتلقاها ومجدها بعض مدعي الإلحاد من أبناء المسلمين المحسوبين على الإسلام.

سُئل أعرابي: كيف عرفت الله؟ فقال: “البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدل ذلك على العلي الخبير”.. انظروا إلى بساطة الاستدلال بوجود الله من أعرابي عاش في صحراء شبه الجزيرة العربية، وفي المقابل نجد من الملاحدة من لا يهتدي إلى وجود الخالق على الرغم من وجود كل شيء يدل عليه.

ومن الملاحدة من يُؤمن بوجود الخالق بعد ردح من الزمن؛ مثل الفيلسوف البريطاني أنتوني فلو، الذي ظل 50 عامًا يدافع عن فكرة الإلحاد، وألف في ذلك قرابة 30 كتابًا، لكنه في عام 2007 وصل إلى قناعة بوجود خالق لهذا الكون، وأخرج كتابه “هناك إله” ينسف فيه جميع نظرياته الإلحادية السابقة، وأصبح مؤمنا بوجود الخالق، وهو في الثمانين من عمره!

ذلك الإلحاد، خطر مُستطير، الذي إذا ما لامس قلبًا فارغًا من عقيدة التوحيد، أو عقلًا واهنًا مشككًا، أو نفسًا غير محصنة من الداخل، نكص على عقبيه، وانسلخ من عقيدة التوحيد كما تسلخ الشاة من جلدها. يعيش صاحبه في ظلام دامس وإن خاله نورا، وعشوائية فكرية وإن اعتقدها منطقا، وتناقضات واضحة فاضحة، وكبرا بينا عن قبول الحق، فضلا عن الاعتراف به، ثم يظلم عقله وقلبه بعد ذلك فلا يرى إلا ما يراه هو، ولا يؤمن إلا بما يعتقده هو، ذلك هو الران والعياذ بالله. وإذا غاب الإيمان بالله واليوم الآخر من قلب المرء، نشطت فيه نوازع الشر، وتقاذفته الأفكار السيئة، وهاجت فيه أمواج الوساوس المتلاطمة، ثم لا يهمه بعد ذلك ما يأتي وما يذر، إن كان حراما أم لا، يعيش في خواء روحي، فاقدا لهويته العقدية، وربما أدى به الأمر في نهاية المطاف إلى الانتحار.

والأنكى من ذلك حينما يكون مدعي الإلحاد من أبناء جلدتنا، يعيش بيننا يأكل معنا من صحن واحد، ويشرب معنا من مشرب واحد، وربما صف قدميه مع أقدامنا في الصلاة، وقد يكون مدعي الإلحاد هو ذلك المثقف الذكي في دراسته، الذي حاز على أعلى الشهادات، وتبوأ أعلى المناصب في وظيفته، وقد يكون غير ذلك. ثم يبث أفكاره المسمومة بالإلحاد في أوساط الشباب في الجامعات، والكليات ومواقع الإنترنت.

لقد عانى العالم الإسلامي من حركة الإلحاد فكانت تتلون بألوان متعددة في كل عصر من العصور طوال تاريخها، ولكن النتيجة واحدة، عدم الإيمان بواجد هذا الوجود، وصانعه وخالقه.

ولم يقف علماء المسلمين، والناشطون المسلمون إزاء الإلحاد موقف المتفرج، وإنما شمروا عن ساعد الجد، وهبوا للدفاع عن العقيدة الصافية، عقيدة “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، وبما تضمنته هذه العقيدة من توحيد الله في أسمائه وصفاته.

ويأتي في مقدمة المنافحين عن عقيدة الإسلام الخالدة سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ونفع الأمة بعلمه؛ فقد أودع كتابه “مصرع الإلحاد” المكوَّن من جزأين، عصارة علمه وخبرته بهؤلاء الملاحدة، وبتأريخهم، وأوقفهم على الحجج الباهرة في تفنيد عقيدتهم الفاسدة، ومنهجهم الباطل، وكشف عوارهم وتهافت أدلتهم، ووهن حججهم، يقول سماحته في الجزء الثاني من الكتاب المذكور:” وقد راجعت ما كتبه الملحدون في ذلك، فلم أجد لهم قط أي شبه يمكن أن تكون سائغة في العقل جاءوا بها في ذلك، فكل كلامهم لا يعدو أن يكون تعاميا عن مشاهد الحق، وتصامما عن حجته…”(ص 434)، كما لا ننكر جهود المعلمين والمثقفين من كل فئات المجتمع شبابا وشيوخا، وآباء وأمهات في الذود عن حياض العقيدة، وجميع الغيورين في كل مكان.

إن التوعية المجتمعية بالإلحاد وخطره على الفرد والمجتمع ضرورة ملحة في ظل الانفتاح المهول على ثقافات العالم، والمخططات التي تحاك بالنهار، وتنسج بالليل، لتقويض العقيدة الصافية، وهدم أركان الدين، وتشتيت النسيج الاجتماعي القائم على طاعة الله وتوحيده.

وتتويجًا لتلك الجهود تقيم مؤسسة جابر بن زيد بالشراكة مع دار الكلمة الطيبة من ضمن برامجهما المجتمعية لهذا العام ندوة الإلحاد وحقيقة التوحيد، ويتحدث في هذه الندوة محاضرون من السلطنة وخارجها وعلى رأسهم سماحة العلامة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله والندوة تقام في أعلى صرح علمي وثقافي في السلطنة، وهي جامعة السلطان قابوس بتاريخ 24 و25 مايو الجاري.

لذا.. نحث أنفسنا ونحثكم لحضور هذه الندوة المباركة، وأخيرا نتمتى للندوة التوفيق والنجاح وأن تؤتي ثمارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.