اخبار تركيا

الاتفاق التركي – الليبي… مَن هم المنزعجون؟

توران قشلاقجي القدس العربي

وقعت تركيا وليبيا، يوم الاثنين الماضي 3 أكتوبر، مذكرة تفاهم في مجال الموارد الهيدروكربونية، من شأنها أن تغير الموازين في البحر الأبيض المتوسط. وتتيح المذكرة للشركات التركية والليبية إمكانية التعاون في المناطق الغنية باحتياطيات النفط والغاز الطبيعي في البر والبحر، وضمن مناطق الصلاحية البحرية لكلا البلدين، كما تهدف المذكرة إلى توسيع وجود تركيا في المتوسط.

وبناء على تعليمات من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أجرى وفد تركي رفيع المستوى، برئاسة وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، زيارة إلى ليبيا يوم الاثنين الماضي، ضم الوفد وزراء الطاقة والدفاع والتجارة ورئيس دائرة الاتصال والمتحدث باسم الرئاسة.. وشهدت الزيارة اتخاذ خطوات مهمة لتعزيز التعاون بين البلدين، وتوقيع مذكرات تفاهم عدة.

وفي تصريحات أدلى بها على هامش الزيارة، قال تشاووش أوغلو، إن تركيا تقف من دون تردد إلى جانب ليبيا، مؤكدا أنه «لا يحق لدول أخرى التدخل في اتفاقية موقعة بين بلدين ذوي سيادة». بدوره قال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية تانجو بيلغيتش، إن التصريحات الصادرة عن اليونان، والمتحدث باسم الاتحاد الأوروبي بشأن مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وحكومة الوحدة الوطنية الليبية، التي تنص على تطوير التعاون الثنائي العلمي والتقني والتكنولوجي والقانوني والإداري والتجاري في البر والبحر، في مجال الموارد الهيدروكربونية، «ليس لها أهمية أو قيمة بالنسبة لتركيا».

وأشار بيلغيتش إلى أن جهود اليونان التي تحاول اغتصاب الحقوق المشروعة لتركيا وليبيا أيضا من خلال المطالبة بمناطق بحرية مرخصة «لن تسفر عن أي نتائج». من جهته قال السفير الإيطالي السابق لدى باكستان ستيفانو بونتيكورفو، في تعليقه على مذكرة التفاهم الجديدة، إن «الأتراك يعززون وجودهم العسكري والسياسي والمالي في ليبيا. ويجب ألا ننسى أن ليبيا ظلت تابعة للسيادة التركية عدة قرون. الأتراك لديهم روابط تاريخية مع ليبيا».

تتمتع ليبيا بأهمية استراتيجية من حيث موقعها في شمال افريقيا والبحر الأبيض المتوسط، وهي منطقة تتطلب دراسة في السياق التاريخي والاستراتيجي بالنسبة إلى تركيا. انضمت ليبيا إلى الأراضي العثمانية عام 1551 وكانت تعرف باسم طرابلس الغرب، وظلت خاضعة للحكم العثماني لمدة أربعة قرون. وعندما تعرضت المنطقة لغزو إيطاليا عام 1911 أظهر السكان المحليون ولاءهم للدولة العثمانية، وقامت الأخيرة بإرسال ضباطها لمساندتهم وتنظيمهم، ونجحت الجهود المبذولة في منع توسع الاحتلال الإيطالي، لكن الإمبراطورية العثمانية اضطرت للاعتراف بالاحتلال الإيطالي في المنطقة، بموجب معاهدة أوشي التي أبرمت بتاريخ 18 أكتوبر 1912 بسبب الوضع الفوضوي الذي كانت تعاني منه في ذلك الوقت.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، استمرت المقاومة المحلية ضد إيطاليا في طرابلس الغرب، وشكلت الدولة العثمانية قيادة المجموعة الافريقية في المنطقة لمحاربة الإيطاليين. في الوقت نفسه، فتحت جبهة غربية من طرابلس الغرب إلى مصر، التي كانت خاضعة حينها للاحتلال البريطاني، واستعادت القوات العثمانية خلال الحرب السيطرة على أجزاء كثيرة من طرابلس الغرب، من خلال التعاون مع السكان والقبائل المحلية. وعندما جرى توقيع هدنة مودروس، كانت قوات الجيش العثماني تسيطر على مناطق مثل، بنغازي وطرابلس، ثم اضطرت للاستسلام لقوات الحلفاء بسبب شروط الهدنة.

تشكل ليبيا أهمية خاصة بالنسبة إلى تركيا، باعتبارها آخر قطعة أرض في شمال افريقيا خرجت من الحكم العثماني، وفي عام 1951 نالت ليبيا استقلالها بعد خضوعها فترة من الزمن للاحتلال الإيطالي، وبعد الاستقلال، استمرت العلاقات الوثيقة التاريخية بين ليبيا وتركيا على نحو متزايد، وأمام التطورات التي شهدها البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة بالتوازي مع الحرب الأهلية الليبية، كان على تركيا جارة ليبيا من البحر اتخاذ خطوات استراتيجية في المنطقة.

خلاصة الكلام؛ ثمة أزمة تعصف بالعالم حاليا في مجال الطاقة، وبات الذعر يخيم على جميع البلدان، أمّا تركيا، فإنها تقوم بإبرام اتفاقيات مهمة ​​للغاية وتسعى إلى توسيع وجودها في البحر الأبيض المتوسط، وتعززت في الفترة الأخيرة العلاقات التركية الليبية المستمرة منذ قرون بعد أن مدت تركيا يد العون لهذا البلد عام 2019 بصفتها «قوة ضامنة للاستقرار» في ظل الحرب الأهلية.

وأخيرا، وفي إطار الربح المتبادل، وقع الجانبان مذكرة التفاهم المتعلقة بمجال الموارد الهيدروكربونية، وأعتقد أن هذه الخطوات تشكل بداية بالنسبة إلى تركيا التي تستعد لتوقيع اتفاقيات مهمة قريبا مع دولتين أوروبيتين في المتوسط. ومن المتوقع أن تتخذ تركيا خطوات كبيرة جدا في ما يخص ملف جزيرة قبرص وجزر بحر إيجه المتنازع عليها مع اليونان.

عن الكاتب


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.