اخر الاخبار

من المستفيد من اغتيال “القحطاني” في إدلب

طويت الصفحة الأخيرة من حياة القيادي في “هيئة تحرير الشام” صاحبة السيطرة العسكرية في إدلب، “أبو ماريا القحطاني”، بعد تقلبات واضطرابات ومسار شائك سارت عليه بدءًا من ولادته في قرية الرصيف جنوبي الموصل في العراق حتى دفنه في ريف مدينة سلقين شمالي إدلب.

بحزام ناسف لم يتبنه تنظيم “الدولة الإسلامية” بعد، انتهت أنفاس “القحطاني” صاحب الـ48 عامًا في مضافته بمدينة سرمدا، لتفقد “الهيئة” رجلها الثاني وصندوق أسرارها ورفيق درب قائدها “أبو محمد الجولاني” بعد خلاف عصف في صفوف الفصيل منذ عام، ووضع “القحطاني” خلف القضبان لمدة ستة أشهر قبل الإفراج عنه.

بتبني التنظيم الغائب عن إعلان عمليات في إدلب منذ 2020 أو عدمه، توعد “أبو محمد الجولاني” بأخذ الثأر والقصاص لدماء “القحطاني” حين ودع جثته، لكن ذلك لم يمنع الشبهات حول مسؤوليته عن التفجير باستناد باحثين وعسكريين إلى خلافات ملف “العملاء” وتوسع نفوذ “القحطاني”، وسجنه وحديث سابق عن تدبيره لـ”انقلاب”.

اغتيال وتوعد بالثأر

في 4 من نيسان الحالي، قُتل “القحطاني” بحزام ناسف داخل مضافة في إحدى مزارع مدينة سرمدا، قالت “الهيئة” إن شخصًا فجّر نفسه كان من بين ثلاثة أشخاص، تمكن الاثنان الآخران من الهروب، وإنهم يتبعون لتنظيم “الدولة”.

بعد يوم، شيعت “تحرير الشام”، “أبو ماريا” عقب إقامة صلاة الجنازة عليه في مسجد “زيد بن حارثة” المُنشأ حديثًا في إدلب، بحضور رئيس “الإنقاذ” المظلة السياسية للفصيل محمد البشير، ووزير الأوقاف حسام حاج حسين، بإمامة الشرعي في “الهيئة” مظهر الويس.

ولم تشهد مراسم صلاة الجنازة حضور قائد الفصيل “أبو محمد الجولاني“، واكتفت مؤسسة “أمجاد” الإعلامية التابعة لـ”الهيئة” بنشر تسجيل مصور له مع جثمان “القحطاني”، ظهر فيه وهو يودعه ويقبله ويتوعد بالثأر له.

جاء مقتل “القحطاني” بعد 28 يومًا من إفراج “تحرير الشام” عنه، إثر اعتقاله ستة أشهر على خلفية ملف “العمالة والاختراق والتواصل مع جهات معادية داخلية وخارجية”، وبرأته “الهيئة” من التهمة، لأن الدليل الذي أوقف لأجله ظهر بطلانه، حسب قولها.

تشييع ودفن القيادي في "تحرير الشام"، "أبو ماريا القحطاني" - 5 من نيسان 2024 (أمجاد)

تشييع ودفن القيادي في “تحرير الشام”، “أبو ماريا القحطاني” – 5 من نيسان 2024 (أمجاد)

من المستفيد؟

قياديون منشقون عن “تحرير الشام” اتهموا “الجولاني” بعملية اغتيال “القحطاني”، ومنهم صالح الحموي، و”أبو يحيى الشامي“، وكتب الأخير منشورًا في 11 من آذار الماضي، جاء فيه “بلغني أن الجولاني سيذبح كبشًا سمينًا ويتهم به غيره.. فالحذر الحذر ومتابعة الثورة حتى إسقاطه”.

الباحث المتخصص في الجماعات الجهادية والحركات الدينية الدكتور عبد الرحمن الحاج، يرى أن هنالك مستفيدين كثر من مقتل “القحطاني” لأن لديه أعداء من كل الكيانات الموجودة في إدلب أو في مناطق أخرى، فهو مهندس الاغتيالات ضد قادة “الجيش الحر”، والفاعل الرئيس في تفكيك الشبكة الجهادية لتنظيم “الدولة” و”القاعدة”.

وقال الحاج ل إن “أبو ماريا” أراد فتح قنوات مع الأمريكيين من خلال اتصالات بـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وطرح نفسه بديلًا عن “الجولاني” في تصفية تنظيم “الدولة” في البادية، وأراد أن يقدم خدماته فيما يبدو أنه مقابل التعامل معه كقوة أمر واقع مع جناح كبير موالٍ له، فيما عرف لاحقًا بقضية “العملاء”.

ويرى الحاج أن تحرك “القحطاني” شكّل خطرًا على استتباب سلطة “الجولاني”، وفي نفس الوقت لدى الأخير المبررات الكافية للتخلص من أشخاص يعتقدون أن لهم دَين على “الجولاني” و”الهيئة”، ويجعل لهم حق مماثل في اقتسام المنافع والنفوذ على نحو متساو على الأقل.

ولولا أن اعتقال موالي “القحطاني” في التنظيم العسكري لـ”الهيئة” أدى إلى خطر تفكك الفصيل وانقسامه، لما أفرجت “تحرير الشام” عنه، وفق الباحث، مضيفًا أن مقتل “القحطاني” يضعف قدرة خصومه من ملف “العملاء” على الحشد، الذي جمعهم الولاء لـ”أبو ماريا” فضلًا عن المظلوميات.


يمثل مقتل “القحطاني” هدية ثمينة لـ”أبو محمد الجولاني”، ومع أن عدة أطراف لديها مصلحة في الانتقام من “القحطاني”، إلا أنه من الواضح أن المستفيد الأكبر هو “الجولاني”
عبد الرحمن الحاج – باحث في الجماعات الجهادية والحركات الدينية

ورغم أن مقتل “أبو ماريا” حصل ببصمات تنظيم “الدولة”، يجعل السياق أصابع الاتهام تتجه إلى “الجولاني” وهذا أمر مفيد للأخير، رغم أنه قد لا يكون فاعله، وفق الباحث، معتبرًا أن “الجولاني” هو الرابح الأكبر من مقتل الشخص الذي بات يشكل خطرًا حقيقيًا عليه.

واعتبر الباحث أن الاعتقاد بأن “الجولاني” هو الفاعل مع وجود دلائل على خلاف ذلك يجعله (الجولاني) في موقع المهاجم ويبث الرعب في خصومه، بينما رجّح أن يكون خصوم “الجولاني” أهدافًا تالية، في حال كان الأخير وراء اغتيال “القحطاني”.

تشييع ودفن القيادي في "تحرير الشام"، "أبو ماريا القحطاني" - 5 من نيسان 2024 (أمجاد)تشييع ودفن القيادي في "تحرير الشام"، "أبو ماريا القحطاني" - 5 من نيسان 2024 (أمجاد)

تشييع ودفن القيادي في “تحرير الشام”، “أبو ماريا القحطاني” – 5 من نيسان 2024 (أمجاد)

فرصة نجاة.. أكثر انفتاحًا

تعد “أزمة ملف العملاء” أبرز المطبات والمنعطفات في وجه “تحرير الشام”، والتي رسمت صراعًا بين تيارات الفصيل وملامح تفكك، بعد اعتقال “القحطاني” وكبار قيادات الصف الأول، وانشقاق القيادي الثالث جهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور)، وكشف الأخير عن قضايا مسؤول عنها “الجولاني”، منها تفجيرات وتعاون مع استخبارات أجنبية.

الأزمة التي ألقت بظلالها على الفصيل لنحو عام، نجا منها “الجولاني” لحد الآن على الأقل، واعتبرها خبراء في الجماعات “الجهادية” فرصة لإنهاء الشخصيات التي صارت تمثل أعمدة وقوة ضاربة في كيان الجماعة.

الباحث في الجماعات الجهادية عبد الرحمن الحاج، يعتقد أن مقتل “القحطاني” يؤدي إلى تعزيز الانقسام في الجناح العسكري لـ”تحرير الشام”، بين موالي وأتباع “القحطاني” والمشمولين بملف “العملاء” وبين بقية “الهيئة”، لكنه سيمنح فرصة أيضًا للقضاء عليهم والتخلص منهم، بمعنى أن تكوين “الهيئة” سيكون أكثر ولاء لـ”الجولاني”، لكن هذا الأمر مرهون بمدى قدرة الخصوم على تشكيل كتلة حرجة يعجز “الجولاني” عن مواجهتها.

وقال الباحث إن خصوم “الجولاني” في المدى المنظور محدودون، ولا يملكون القوة لمواجهته، وفي حال تعرضوا لهزة عميقة بمقتل شخصية رئيسية فيهم، يعني أنهم أمام مصير محتم هو التعرض للاغتيال والتفكك.

وتواجه “تحرير الشام” منذ شهرين حراكًا شعبيًا ومطالب بإسقاط “الجولاني” ورفض سياسة احتكار القرار، قوبلت بحزة وعود وإصلاحات، منها عفو عام بشروط واستثناءات، وحل “جهاز الأمن العام” ضمن وزارة الداخلية في “الإنقاذ”، والعمل على تشكيل “مجلس شورى” جديد.

يرى الحاج أن مقتل “القحطاني” سيتيح فرصة لـ”الجولاني” كي ينجو من الأزمة التي عصفت به بعد قضية “العملاء” والاحتجاجات الشعبية، لكن عندما يتمكن “الجولاني” من استعادة زمام المبادرة سيكون قد تغير، ولن يعود كما هو، لأن الأحداث على الأغلب ستترك أثرها على شخصيته وتأمين سلطته في المرحلة المقبلة، كما ستترك أثرها على السياسات التي سيتبعها، والتي ستكون أكثر انفتاحًا، بحكومة ذات صلاحيات أوسع، لكن بقبضة أمنية شديدة مع انتهاكات أقل.

تشييع ودفن القيادي في "تحرير الشام"، "أبو ماريا القحطاني" - 5 من نيسان 2024 (أمجاد)تشييع ودفن القيادي في "تحرير الشام"، "أبو ماريا القحطاني" - 5 من نيسان 2024 (أمجاد)

تشييع ودفن القيادي في “تحرير الشام”، “أبو ماريا القحطاني” – 5 من نيسان 2024 (أمجاد)

ما قصة الانقلاب

بعد اعتقال “القحطاني” كثرت الروايات عن وجود انقلاب على “الجولاني”، ثم بدأت تخرج مطلع العام الحالي تسريبات عبر “الإعلام الرديف” لـ”تحرير الشام” (غرف “تلجرام” واسع الانتشار في المنطقة تنقل رواية “الهيئة” ومقربة منها) على أنها أجزاء من محاضر التحقيق مع “القحطاني”، واعترافات منه بالتهم المنسوبة إليه.

وكان أبرز ما نقلته التسريبات أن “القحطاني” اعترف بتبعيته لغرفة عمليات التحالف الدولي في مدينة أربيل العراقية، حيث يرأس الغرفة ضابط عراقي عميل زار إدلب أكثر من مرة والتقى به، ويخطط لانقلاب على قيادة “الهيئة”.

وتركت “الهيئة” هذه التسريبات دون نفي أو تأكيد حينها، رغم مواكبة إعلامها الرديف لكل ما ينتشر، ونفيها وتأكيدها لكثير من الأخبار المتداولة على وقع ملف “العمالة”.

قبل هذه التسريبات، قال القيادي الثالث في الفصيل والمنشق عنه جهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور) ل، إن قضية الانقلاب على “الجولاني”، ذريعة من الأخير لتصفية شريحة من “الهيئة” ليس لها ولاء مطلق له، واعتبر جهاد الشيخ أن الانقلاب لا صحة له، ولا علاقة له به.

وذكر الشيخ عبر منشور له في آذار الماضي، أن “الجولاني” كان يقول له إن “أبو ماريا عميل مئة بالمئة” ويحضر لانقلاب لتنصيب “أبو أحمد زكور” بدل “الجولاني”.

من اليمين، القيادي في "تحرير الشام" مظهر الويس، وقائد "تحرير الشام"، "أبو محمد الجولاني" والقيادي "أبو ماريا القحطاني"، والشرعي عبد الرحيم عطون في اجتماع مع وجهاء المنطقة الشرقية- 14 من تموز 2022 (أمجاد)من اليمين، القيادي في "تحرير الشام" مظهر الويس، وقائد "تحرير الشام"، "أبو محمد الجولاني" والقيادي "أبو ماريا القحطاني"، والشرعي عبد الرحيم عطون في اجتماع مع وجهاء المنطقة الشرقية- 14 من تموز 2022 (أمجاد)

من اليمين، القيادي في “تحرير الشام” مظهر الويس، وقائد “تحرير الشام”، “أبو محمد الجولاني” والقيادي “أبو ماريا القحطاني”، والشرعي عبد الرحيم عطون في اجتماع مع وجهاء المنطقة الشرقية- 14 من تموز 2022 (أمجاد)

“فريد” في “عالم الجهاد”

لـ”القحطاني” اسم آخر يدعى “أبو الحمزة”، وهو ميسر بن علي الجبوري القحطاني، الملقب بـ”الهراري” نسبة إلى قرية هرارة العراقية، التي انتقل إليها من قرية الرصيف بعد ولادته فيها عام 1976.

شارك في تأسيس “جبهة النصرة” (“تحرير الشام” حاليًا) في تشرين الأول 2011، بعد ثماني سنوات من عمله داخل تنظيم “القاعدة” في العراق، وصار نائبًا لزعيمها “الجولاني”، ويعد الرجل الثاني في الفصيل.

وعمل شرعيًا في “النصرة” و”أميرًا” للمنطقة الشرقية من سوريا مع بداية العمل المسلح عام 2012، ولعب في الفترة ما بين 2014 و2015 دورًا رائدًا كمنظر أيديولوجي يهاجم “متطرفي” تنظيم “الدولة” حتى حصل على لقب “قاهر الخوارج“.

ومنذ عام 2016، كان “القحطاني” من أبرز المدافعين عن “إصلاح (النصرة) وتوطينها”، ولم يحافظ فقط على عدائه الصريح لتنظيم “الدولة” بل أصبح ناقدًا صريحًا لـ”القاعدة“.

وقاد ملف محاربة تنظيم “الدولة”، وغالبًا ما كان يتم تقديمه من قبل أتباع “تحرير الشام” على أنه عالم دين أو شيخ، لكنه قائد ومنفّذ ورجل أعمال أكثر من كونه عالمًا.

“القحطاني” حاصل على دبلوم في الإدارة من جامعة “بغداد”، وبكالوريوس في الشريعة، وتتلمذ على يد مشايخ أبرزهم “أبو عبد الله المياحي” والشيخ فارس فالح الموصلي، كما أجازه الشيخ عبد الرزاق المهدي، الذي انشق عن “تحرير الشام”، ثم عمل مستقلًا في كانون الثاني 2017.

الباحث في معهد “الشرق الأوسط”، تشارلز ليستر، قال إن “أبو ماريا” كان منفتحًا جدًا، ونشطًا على الإنترنت، ما أكسبه لقب “أبو ماريا الجالكسي”، على عكس الكثير من القيادات العليا لـ”تحرير الشام”، وذكر أنه تواصل على نطاق واسع، لسنوات، مع المحللين في الغرب، وشاركهم تحليلاته وتتبع التفكير الأجنبي على “الهيئة”.

وأضاف ليستر أن “القحطاني” كان “فريدًا في عالم الجهاد”، بدءًا من تنظيم “القاعدة” في العراق، ثم “النصرة” في سوريا، ثم توجيه بندقيته تجاه تنظيم “الدولة” ثم “القاعدة”، والسعي إلى إقامة علاقات مع جماعات المعارضة، وتحقيق التوازن بين علاقة حساسة مع تركيا، ثم صار متهمًا بالتجسس لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ثم تم اغتياله.


المصدر: عنب بلدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *